المزيد
من الخيارات

استشارة حول ظاهرة التسول

استشارة حول ظاهرة التسول
التصنيف: غير مصنف
تاريخ النشر فبراير 21, 2026
المحرر: alia

استشارة حول ظاهرة التسول

المحتوى

إطار تشريعي دولي ووطني لمكافحة ظاهرة التسول

د. علي سهو

تشخيص وحل بالاستفادة من تجربة رواندا

د. آراء الجرماني

مقاربة نفسية اجتماعية تربوية

د. دجانة بارودي

خفض ظاهرة التسوّل عبر تعزيز القُدرة والدافعيّة والبدائل

خالد البقاعي

ظاهرة التسول من وجهة نظر إعلامية

علاء احسان

المقدمة 

في إطار جهود وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في الجمهورية العربية السورية بالبحث حول ومعالجة ظاهرة التسول بوصفها إحدى القضايا الاجتماعية المعقدة ومتشابكة الأبعاد، تأتي ورقة السياسات هذه في خمسة أقسام متكاملة، تسلط الضوء على الجوانب القانونية والاجتماعية والنفسية الاجتماعية والنفسية السريرية والإعلامية للظاهرة، وتطرح رؤى علمية لمعالجتها.

يتناول القسم الأول، بعنوان “الإطار التشريعي الدولي والمحلي لمكافحة ظاهرة التسول في سورية (الواقع والرؤى المستقبلية)” للدكتور علي سهو، الأطر القانونية الناظمة لمكافحة التسول وموقعها بين المعايير الدولية والتشريعات الوطنية، مقترحةً سبل تطويرها بما ينسجم مع العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان.

أما القسم الثاني، “تشخيص وحل مشكلة التسول في سورية – بالاستفادة من تجربة رواندا” للدكتورة آراء الجرماني، فتقدم مقاربة تحليلية تقارن بين الواقع السوري وتجربة رواندا في الحد من التسول، مستخلصةً دروسًا عملية يمكن توظيفها في السياسات العامة.

وفي القسم الثالث، “الصحة النفسية للمتسولين في سورية – مقاربة نفسية اجتماعية تربوية“، تقدم الدكتورة دجانة بارودي في الأبعاد النفسية والتربوية للظاهرة، مبيّنةً كيفية إسهام الظروف الاجتماعية والاقتصادية في تشكيل سلوك التسول وتأثيره على الفرد والمجتمع. 

يركز القسم الرابع من الورقة على الجانب النفسي كذلك للظاهرة، ولكن من وجهة نظر علم النفس السريري، حيث يكتب خالد بقاعي عن “خفض ظاهرة التسوّل عبر تعزيز القُدرة والدافعيّة والبدائل” 

وختاماً يقدم الأستاذ علاء احسان وجهات نظر عملية عن كيفية التعامل الإعلامي مع ظاهرة التسول. 

عسى أن يكون هذا الملف مفيداً في المساهمة بحلول عملية مبنية على العلم، للحد من مشكلة التسول في سورية، وأن ينتج عنه لقاءات واستشارات شخصية أو مسجلة مع باحثي المجلس العلمي السوري. 

مصطفى قره حمد، التواصل العلمي في المجلس العلمي السوري. 

أولًا- الإطار التشريعي الدولي والوطني لمكافحة ظاهرة التسول في سورية (الواقع والرؤى المستقبلية)

د. علي سهو: دكتوراه في القانون الدولي العام- جامعة بيروت العربية، القائم بأعمال مركز إمباكت خارج دولة الإمارات، عضو المجلس العلمي السوري

لا يتناول القانون الدولي لحقوق الإنسان التسوّل صراحةً، إلا إنه وضع إطارًا من خلال الاتفاقيات الدولية لمعالجة الأسباب الجذرية للتسوّل، مثل: (الفقر- البطالة- حماية الفئات الضعيفة كالأطفال والنساء)، إضافة إلى حظر العمل القسري في اتفاقيات أخرى كاتفاقيات منظمة العمل الدولية.

وفي هذا الإطار، تبنى العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 1966، النص على إلزام الدول الأطراف باتخاذ كافة التدابير المناسبة لضمان الحق في العمل، ومعالجة مشكلة البطالة، وتوفير خيارات معيشية بديلة، كما ضمنت اتفاقية حقوق الطفل 1989 حقوقًا أساسية للأطفال؛ كالحق في التعليم والصحة والحماية من الاستغلال الاقتصادي، إضافة إلى حظر اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة 1979، جميع أشكال الاستغلال، فضلًا عن تعريف الاتفاقيات الدولية التسوّل كأحد أشكال الاستغلال الذي يقع ضمن نطاق الجرائم المنظمة كالإتجار بالبشر، خاصة عند استخدامه لإجبار الأطفال أو البالغين على ارتكاب أفعال جرمية. أما لجهة حظر العمل القسري، والذي يمكن أن يبرز في ظاهرة التسوّل بصورة التسوّل القسري أو الخدمات الإلزامية، فقد حظرته اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 29، وتعد سورية طرفًا في هذه الاتفاقيات، وبالتالي يقع على عاتقها الالتزام بأحكامها.

إن الغاية من عدم النص صراحة على حظر التسوّل في الاتفاقيات الدولية، تنطلق من أسباب متعددة، أبرزها: (1- التركيز على السبب لا النتيجة: تركز الاتفاقيات الدولية على معالجة الأسباب الأساسية للتسوّل (كالفقر- البطالة- التمييز- الاستغلال) بدلًا من تجريم فعل التسوّل نفسه. 2- احترام حقوق الدول: لكل دولة الحق في وضع قوانينها وتشريعاتها الخاصة لمواجهة ظاهرة التسوّل بما يتفق مع ثقافتها وظروفها الاجتماعية والاقتصادية والتزاماتها الدولية).

وفي إطار مكافحة ظاهرة التسوّل في سورية على المستوى التشريعي، فقد ركز المشرع السوري على تجريم التسوّل وإقرار العقوبات بحقهم وحق المرتبطين بارتكاب هذه الجريمة، لا سيما من خلال ما نص عليه قانون العقوبات العام لعام 1949 وتعديلاته، وقانون حقوق الطفل 21/2021، إضافة إلى المرسوم التشريعي رقم 3 لعام 2010 بشأن الاتجار بالأشخاص، وذلك دون الاهتمام بوضع إطار تشريعي مستقل وجامع ما بين غايات الردع ومعالجة جذورها ومنع ارتكاب الجريمة، وهذا ما يتنافى مع جوهر فلسفة القانون الحديث الذي لا يقتصر على إقرار العقاب كجزاء للجريمة، بل يمتد ليشمل منع وقوعها مستقبلًا عبر معالجة أسبابها الأساسية، كجزء من استراتيجيات وطنية هادفة لمعالجة هذه الظاهرة بكافة جوانبها ومستوياتها، ووفاء بالالتزامات المقررة في الاتفاقيات الدولية، كما هو الحال في الاستراتيجيات الوطنية المتبعة في العديد من الدول كالمملكة العربية السعودية على سبيل المثال لا الحصر.

وبحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن تسعة من كل عشرة أشخاص في سورية يعيشون في فقر، وإن واحدًا من كل أربعة عاطل عن العمل بحلول شباط/فبراير 2025، كما تضاعف معدل الفقر ثلاث مرات في سورية تقريبًا من 33 في المائة قبل عام 2011، إلى 90 في المائة في 2025، بينما تضاعفت معدلات الفقر المدقع في سورية ستة أضعاف، من 11 في المائة إلى 66 في المائة، وإنه ما بين 40 و 50 في المائة من الأطفال الذين تتراوح اعمارهم بين 6 و 15 عامًا لا يذهبون إلى المدرسة بحلول شباط/فبراير 2025 في سورية، وهذا ما يشير إلى تضخم المعدلات بالنسبة للأسباب الأساسية لانتشار ظاهرة التسوّل في سورية.

وبالنظر لتجربة المملكة العربية السعودية في مكافحة التسوّل، وهو ما يمكن أن تستلهم منه الإدارات المعنية في سورية استراتيجياتها لمكافحة التسوّل، حيث صدر نظام مكافحة التسوّل في المملكة العربية السعودية في 2021م، مُجرمًا التسول بجميع أشكاله، وينص على عقوبات متفاوتة حسب حالة المتسول (فردي أو ضمن جماعة منظمة). ويهدف النظام إلى تجريم الفعل، ومعاقبة المخالفين، إضافة إلى معالجة الظاهرة من الناحية الاجتماعية من خلال إحالة المحتاجين إلى الجهات المختصة، وتعزيز الدور الأمني في ضبط المتسولين، ومكافحة العصابات المنظمة. يُضاف إلى ذلك اعتماد السياسة الوطنية للقضاء على العمل الجبري في المملكة الموافق عليها بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 524 لعام 2025، فضلًا عن اعتماد عدة برامج ومنصات لتسهيل عمليات التبرع للفئات الأشد احتياجًا بسهولة وموثوقية، وإعادة توجيه الدعم الحكومي لتلبية احتياجات الفئات المستحقة بعد دراسة حالاتها، كبرنامج (ضمان- حساب المواطن- منصة إحسان)، إضافة إلى إصدار تقارير شهرية عن المنجزات الاستراتيجية للقطاعات لوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بالتعاون مع الوزارات الأخرى، وبذلك فقد ذهبت تجربة المملكة باتجاه تجريم التسوّل وإقرار العقاب، مع وجود آليات لمعالجة المتسولين المحتاجين فعليًا عبر الجهات المختصة من جهة، ومقاضاة الممتهنين من جهة أخرى، وبذلك تتحقق الغاية من القانون ألا وهي الردع ومعالجة الأسباب لمنع ارتكاب الجريمة.

إن عدم فعالية نظم مكافحة التسوّل وتفاقم هذه الظاهرة، يكون من شأنه التأثير سلبًا في مختلف المجالات، وتمتد هذه الآثار لتطال الأمن القومي للدولة، حيث تؤثر هذه الظاهرة على الأمن القومي من خلال:

  1. زيادة معدلات الجريمة: حيث إن الفقر والبطالة يدفعان الأفراد للجوء إلى الجريمة كوسيلة للبقاء. وتعتبر سرقة المحلات والنشل من أبرز الجرائم المرتبطة بالتسوّل.
  2. استغلال الأطفال في التسوّل: تعتمد بعض حالات التسوّل على استغلال الأطفال والنساء، والذي يمكن أن يكون بوابة لدخول الأطفال والنساء إلى عالم الجريمة المنظمة أو تجارة المخدرات والدعارة، مما يشكل تهديدًا مستقبليًا للأمن القومي.
  3. تفاقم الأوضاع الصحية: يعيش المتسولون في ظروف صحية سيئة، مما يزيد من احتمالية انتشار الأمراض والأوبئة. هذا بدوره يضغط على النظام الصحي ويشكل تهديدًا لصحة السكان بشكل عام.
  1. التأثير على السياحة: تعتبر ظاهرة التسول من العوامل التي تؤثر سلبًا على صورة البلاد أمام الزوار الأجانب، مما يقلل من جاذبيتها كوجهة سياحية، وبالتالي التأثير سلبًا على الاقتصاد الوطني.

بناء على ما تقدم يوصي التقرير بما يلي: 

1- اعتماد استراتيجية وطنية تشكل اللبنة الأساسية لمكافحة التسوّل في سورية، على أن تتضمن مجموعة من المحاور؛ تبدأ من وضع وإقرار الإطار التشريعي والتنظيمي وصولًا إلى البرامج الواجب تنفيذها من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بالتعاون والتنسيق مع المنظمات والوزارات والهيئات الحكومية ذات الصلة (وزارة الداخلية- وزارة الخارجية- وزارة الأوقاف- وزارة التربية- وزارة الإعلام- وزارة الصحة- وزارة الاتصالات- وزارة السياحة)، وآليات تنفيذها، إضافة إلى الجدول الزمني للتنفيذ، وقنوات المراجعة الدورية للمنجزات الاستراتيجية المنفذة، ويمكن للمجلس العلمي السوري تقديم الاستشارات والشفهية والمكتوبة في هذا الشأن.

2- إقرار نظام قانوني مستقل وجامع لمكافحة التسوّل في سورية، حيث يجمع بين غايات الردع ومعالجة الأسباب الجوهرية للظاهرة، إضافة إلى تحديد التزامات وواجبات الأفراد والمؤسسات الحكومية والأهلية في هذا الشأن، ويمكن للمجلس العلمي السوري تقديم الاستشارات والمشاريع المتخصصة في هذا الشأن.

3- تنظيم آليات جمع التبرعات والصدقات عبر قنوات رسمية بهدف المساهمة في الحد من ظاهرة التسوّل من جهة، وتسهيل عمليات التبرع وإعادة توجيهها لتلبية احتياجات الفئات المستحقة لها من جهة أخرى

ثانياً: تشخيص وحل مشكلة التسول في سورية بالاستفادة من تجربة رواندا

الإعداد: د. آراء الجرماني- جامعة رادباود- هولندا

تُعدّ ظاهرة التسول من أبرز الظواهر الاجتماعية السلبية في سورية خلال السنوات الأخيرة، حيث تفاقمت بشكل ملحوظ منذ اندلاع النزاع عام 2011 نتيجة عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية متداخلة. أدّت الحرب إلى نزوح ملايين السوريين داخليًا، وانهيار منظومات الحماية الاجتماعية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة (الجرماني-2024) .  

واقع التسول في سورية: تشخيص أولي

 العوامل المهيّـئة:

  1. ارتفاع مستويات الفقر والبطالة نتيجة الدمار الاقتصادي، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتهجير ملايين من السوريين داخلياً وخارجياً. وفق تقريرٍ لـ  Syrian Observatory for Human Rights، فإن النزوح الداخلي والأطفال اللاجئون داخلياً ساهموا في انتشار ظواهر مثل التسول.
  2. هناك محافظات عانت من مسألة النزوح أكثر من غيرها كما في محافظة إدلب وما حولها، مثلاً، ورد أن عدداً من الأطفال (13 سنة وأقل) يظهرون في الشوارع لبيع بضائع صغيرة أو التسول، نتيجة فقدان الأسرة للمعيل أو العيش في ظروف نزوح (المرصد السوري لحقوق الإنسان). 
  3. ضعف أنظمة الحماية الاجتماعية المنتشرة داخل البلاد واضطراب الخدمات التعليمية والصحية يفاقم من تعرض بعض الفئات الهشة وخاصة أصحاب الإعاقات والأطفال للتسول أو الاستغلال.
  4. غياب التسجيل المدني: إحدى المعضلات الجوهرية في سورية هي غياب التسجيل المدني أثناء فترة الحرب والنزوح، حيث يفتقد بعض البالغين وثائقهم الرسمية، مما يحد من فرصهم في الحصول على المساعدات أو العمل. الحرب والنزوح يتسببان عادة في وجود أطفال متسولين غير مسجلين في مراكز النفوس، من المهم تسجيل الأطفال في قاعدة بيانات حماية / للأطفال المعرضين للاستغلال أو اتباع التسول بوصفه وسيلة للعيش وذلك من أجل ضمان متابعة التعليم والصحة والحالة الأسرية.
  5. قيود البيانات والتحديات: لا تتوفّر حتى الآن – إلى حد كبير – إحصائيات وطنية دقيقة من جهات رسمية حول عدد المتسولين البالغين أو الأطفال، أو توزيعهم حسب العمر والمكان (نازح/أصيل) وشبكة/فرد.
  6. حالة الوصم الاجتماعي قد تكون ذات أثر سلبي على عملية إحصاء وتتبع عمليات التسول والتبليغ، ما يجعل الظاهرة في بعض الحالات “خفية”.
  7. قد تشكل حالة التدخلات الأمنية غير المدروسة أو الترحيل غير المنظم للجماعات المتسولة نتائج سلبية تخفي الظاهرة بدل حلّها.

أشكال التسول في سورية

أ. تسول البالغين/البالغات

  1. مهنة أم اضطرار؟ بعض البالغين قد يتعاملون مع التسول كمصدر دخل منتظم غالباً ضمن شبكات أو تجمعات، بينما آخرون في وضع اضطراري نتيجة فقدان العمل أو النزوح.
  2. نازحون أم مجتمعات أصلية؟ تتطلب التمييز بين أفراد من مجتمعات نازحة ضمن المجتمعات الأصلية وبين أفراد من المجتمعات الأصلية التي أصبحت أيضاً في وضع هش. هذا التمييز مهم لتصميم الدعم الثقافي-الاجتماعي والاقتصادي.
  3. فردي أم ضمن مجموعات منسّقة؟ وجود شبكات أو تنظيم (يوجه أماكن التسول أو الأطفال أو ”مسؤولي تجمع“ ) يستدعي تدخلات عدلية/رقابية إضافة للحماية والخدمات.

ب. تسول الأطفال

  1. أطفال بدون أسر (أيتام أو مفصولون) أم لديهم أسر؟ الأطفال بلا أسر يحتاجون إلى تدخل حماية عاجل، بينما الأطفال ضمن أسر قد يكونون ضمن دائرة تشغيل/استغلال أسرية.
  2. هل يتم تشغيل الأطفال من قبل أسرهم؟ في بعض الحالات قد يكون حلّ الأسرة غير كافٍ، أو قد تستغل الأسرة الطفل كوسيلة دخل—وهذا يتطلب تدخلاً للأُسرة أيضاً.
  3. فردي أم ضمن شبكات؟ بعض الأطفال قد يتسولون بمبادرتهم أو مع أسرتهم، لكن الآخرون قد يكونون ضمن شبكات استغلالية تستفيد من الأطفال وتسوقهم للتسول أو البيع.

التجربة الرواندية في الحد من التسول

بعد الإبادة الجماعية عام 1994، واجهت رواندا مشكلة واسعة في التسول والتشرد. اعتمدت الحكومة نهجًا شموليًا قائمًا على التمكين الاقتصادي والدمج الاجتماعي عبر عدة خطوات. يمكن قراءتها واتباع ما يناسب السياق السوري والاستفادة من الإيجابي والسلبي.

الجوانب الإيجابية القابلة للاستفادة:

  1. قامت بإنشاء برامج إعادة الإدماج المجتمعي للأسر الفقيرة وتوفير عمل مؤقت في مشاريع البنية التحتية ضمن برنامج Vision 2020 Umurenge.
  2. أطلقت رواندا إطاراً وطنياً للخدمة المتكاملة لحماية الطفل في سبتمبر 2023  National Child Development Agency (NCDA)  بالشراكة مع UNICEF وذلك ضمن إطار إدارة حالة الطفل داخل منظومة متعددة القطاعات: حماية، تعليم، عدالة، صحة . 
  3. أوجدت برامج لتعزيز الحماية الاجتماعية وربطها بخلق مصدر دخل بديل للأسر، مثل برامج “مدّّ ادّخار وقروض” مع مراكز رعاية أطفال الباعة في الشوارع والأسواق. بالإضافة إلى تأمين دعم نقدي مباشر للأسر الأشد فقرًا مقابل التزام الأطفال بالتعليم .

المخاطر والتحفظات في تطبيق حالة رواندا:

  • تُشير تقارير من Human Rights Watch إلى أن بعض مراكز “العبور/الاعتقال” للأطفال في رواندا عملت على نحو ينتهك حقوق الطفل: احتجاز تعسفي، سوء المعاملة، ظروف غير إنسانية.
  • إن نقل أي تجربة في هذا الخصوص من رواندا يجب أن يشدد على ضرورة مراقبة حقوقية قوية مع ضمانات لحريات الأطفال والأسر، وبدائل لا تؤدي لاعتقال الأطفال المتسولين.
  • كما أن الاستدامة المالية والموارد الكافية مهمة: فالتدخلات قصيرة الأجل التي لا تستهدف أنظمة الاستدامة تخبو آثارها ولا تؤدي لحل المشكلة نهائيا بل مؤقتا.

الدروس المستفادة في حالة سورية

يمكن لسورية الاستفادة من تجربة رواندا عبر تطوير نموذج وطني يعتمد على ما يلي:

  1. اعتماد نظام إدارة حالة (Case Management) للأطفال المتسولين أو المعرضين لذلك، يشمل تسجيل، تقييم شامل، خطة حماية وإدماج.
  2. بناء نظام إحالة بين القطاعات (الحماية – التعليم – الصحة – العدالة) لضمان أن الأطفال المتسولين يحصلون على تعليم، رعاية صحية، ومسار لدمجهم في المجتمع.
  3. إنشاء برنامج وطني لإعادة دمج المتسولين البالغين في سوق العمل المحلي.
  4. ربط المساعدات النقدية للأسر الفقيرة والتي مارست التسول بالتعليم والرعاية الصحية للأطفال.
  5. إصدار نظام لتسجيل الأطفال غير المسجلين في مراكز النفوس بشكل استثنائي.
  6. تفعيل دور البلديات والمنظمات المحلية في رصد الحالات ميدانيا ومعالجتها إنسانيًا.
  7. وضع إطار قانوني يمنع استغلال الأطفال في التسول، مع فرض رقابة قانونية على التسول المنظم وإحالة المتسولين إلى مراكز إعادة تأهيل.
  8. ضمان معايير حقوقية واضحة بعدم احتجاز الأطفال بطريقة تعسفية أو دون متابعتهم من جهة حقوقية.
  9. تنفيذ حملات توعية حول مخاطر التسول وأهمية التعليم والعمل من خلال التعاون مع منظمات المجتمع المدني ومنظمات عالمية مهتمة بقضايا الأطفال.

خاتمة الفقرة:

إن السعي لمتابعة ومعالجة واقع التسول في سورية ليس مجرد مسألة أمنية أو إنسانية فحسب، بل مسألة تنموية وحماية اجتماعية أيضاً. لذا، ينبغي أن تُبنى السياسات على تشخيص دقيق، وفهم للتعدد في أنماط التسول (بالغون/أطفال، فردي/منسّق، نازحون/أصليون) كما تمّ تفصيله أعلاه، وأن تدمج بدائل اقتصادية واجتماعية، مع ضمان حقوق الطفل والحماية أولاً وأخيراً. تجربة رواندا تقدّم دروساً قيّمة — في بناء النظم، لكن أيضاً يمكن أن تكون المحاذير التي أصدرتها هيئات حقوق الإنسان دروسا مستفادة ترنو إلى معالجة شاملة تشمل الإصلاح الاقتصادي، والرعاية الاجتماعية، وتفعيل مؤسسات الدولة والمجتمع المدني. 

نرجو أن تحقق هذه الورقة جزءً من خارطة طريق وطنية أولية، تستدعي تخصيص ميزانية تنفيذ، وتحديثها سنوياً بناءً على بيانات التنفيذ والمراقبة.

قائمة المراجع

مراجع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية

  1. OCHA. (2023). Humanitarian Needs Overview: Syrian Arab Republic 2023. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs.
    متاح على الرابط: https://www.unocha.org/publications/report/syrian-arab-republic/syrian-arab-republic-annual-report-2023-humanitarian-response-january-december-2023
  2. UNICEF. (2023). Child Protection in Syria: Situation Analysis. United Nations Children’s Fund.
  3. UNHCR. (2023). Displacement and Livelihood Challenges in Syria. United Nations High Commissioner for Refugees.
  4. ICRC. (2022). Restoring Family Links and Civil Documentation in Syria. International Committee of the Red Cross.

مراجع بحثية سورية

  1. Syrian Center for Policy Research (SCPR). (2022). Socioeconomic Impact of Conflict in Syria. Syrian Center for Policy Research.
  2. وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية. (2021). تقرير عن التسول في المدن الكبرى. دمشق: وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.
  3. الجرماني، آراء. (أيار/ مايو 2025). “نقد مؤسسات الإعمار المجتمعي ومنظماته: العواقب غير المرئية للحرب، الأسرة السورية نموذجًا”. حكامة، 5(10)، ص 9–32.
    https://doi.org/10.31430/OHFC1304

مراجع وتجارب من رواندا

  1. Ministry of Local Government, Rwanda. (2020). Vision 2020 Umurenge Program Review. Government of Rwanda.
    https://beta.statistics.gov.rw/datasource/vision-2020-umurenge-program-vup-baseline-survey
  2. National Child Development Agency (NCDA), Rwanda. (2023). Framework to Strengthen Delivery of Integrated Child Protection Services. Kigali: NCDA.
    https://www.ncda.gov.rw/updates/news-detail/rwanda-launches-a-framework-to-strengthen-delivering-of-integrated-child-protection-services
  3. Human Rights Watch. (2020). “As Long as We Live on the Streets, They Will Beat Us”: Rwanda’s Abusive Detention of Children in Street Situations.
    https://www.hrw.org/report/2020/01/27/as-long-as-we-live-on-the-streets-they-will-beat-us/rwandas-abusive-detention-of
  4. Heimstaden Bostad Foundation. (2023). Rwanda: Children in Street Situations Program.
    https://www.heimstadenbostad.com/sustainability/a-home-for-a-home/our-programmes/programmes-details/2023/Rwanda–Children-in-Street-Situations/default.aspx

تقارير صحفية وثقافية داعمة

  1. National Geographic. (2022). After Fleeing Syria, Young Refugees Become Youngest Laborers.
    https://www.nationalgeographic.com/culture/article/after-fleeing-syria-young-refugees-become-youngest-laborers-feature
  2. Syrian Observatory for Human Rights. (2022). Child Labor and Begging in Post-War Syria.
    https://www.syriahr.com/en/233110/

ثالثاً: الصحة النفسية للمتسوّلين في سورية – مقاربة نفسية اجتماعية تربوية 

د. دجانة بارودي تخصص دكتوراة علم نفس اكلينيكي\ إسبانيا، ماجستير علم نفس تربوي\ الدنمارك. www.drdujana.com

تُعدّ ظاهرة التسوّل في سورية إحدى أكثر الظواهر الاجتماعية تعقيدًا من حيث جذورها، وتشعباتها النفسية، والاجتماعية والتربوية. فهي لا تنبع فقط من الفقر والحرمان المادي، بل ترتبط بتجارب فقدان، وصدمات متكرّرة، وانهيار شبكات الدعم التقليدية، ما يجعلها مرآة لانكسارات فردية ومجتمعية متراكمة على امتداد سنوات النزاع.

يتخذ التسوّل أنماطًا متعددة تتراوح بين التسوّل العلني الطوعي القائم على الحاجة، والتسوّل القسري الناتج عن الإكراه أو الاستغلال ضمن شبكات منظّمة. وغالبًا ما يخفي وراءه اضطرابات نفسية غير مشخصة، مثل الاكتئاب، القلق، الإدمان، أو حتى الذهان، خصوصًا في أوساط البالغين الذين يعيشون على هامش المجتمع دون مأوى أو دعم.

أما من المنظور الاجتماعي والمجتمعي، فإن التسوّل ليس فقط ظاهرة حضرية ملتصقة بالمناطق الفقيرة والأسواق والمراكز الدينية، بل أصبح في السياق السوري جزءًا من البنية اليومية للشارع العام، نتيجة فقدان الأمن الاجتماعي، والنزوح، وتعطّل شبكات الحماية الأسرية، مع ما يرافق ذلك من مشاعر العجز والتهميش.

ورغم خطورة التسوّل بجميع أشكاله، إلا أن التسوّل الطفولي يبقى الشكل الأخطر والأكثر هشاشة، لما له من تبعات نفسية ونمائية حادة وطويلة الأمد. فالأطفال المتسوّلون لا يُحرمون فقط من التعليم والرعاية، بل يتعرضون لصدمات متكرّرة، واستغلال ممنهج، وانقطاع في تطوّرهم العاطفي والمعرفي. وتشير الأدبيات النفسية إلى أن الطفولة المقرونة بالشارع غالبًا ما تؤسس لموجات لاحقة من التشرد، العنف، والإدمان في مراحل عمرية لاحقة، ما لم يتم التدخل المبكر.

في ظل هذا الواقع، لا يمكن معالجة التسوّل كظاهرة سلوكية معزولة أو كمخالفة قانونية، بل يجب التعامل معه كنتاج مركّب لمجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية والتربوية، تتطلب استجابة متعددة المستويات تدمج بين التدخل الإكلينيكي، الدعم المجتمعي، وبرامج التعليم المعزّز بالصحة النفسية (مثل المدارس الآمنة، والرعاية البديلة، والتوجيه الأسري).

تم تعريف التسوّل في هذا القسم من الورقة على أنه كل طلبٍ علنيٍّ متكرّرٍ للنقود أو المنافع في الأماكن العامة. وعندما يتضمن هذا الفعل إكراهًا أو استغلالًا من طرف ثالث (شخص بالغ أو شبكة)، يُصنَّف كتسوّل قسري ويدخل ضمن أشكال الاتجار بالأشخاص، وبشكل خاص الاستغلال لأغراض التسوّل أو الجريمة القسرية، وفق المعايير المعتمدة دوليًا.

الأسباب النفسية والاجتماعية لانتشار ظاهرة التسوّل في السياق السوري

شهدت سورية خلال أكثر من أربعة عشر عامًا من النزاع تدهورًا بنيويًا عميقًا في مؤشرات الرفاه والصحة النفسية والتعليم، مما ساهم في خلق بيئة خصبة لتفاقم ظاهرة التسوّل بمختلف أشكالها. لم يعد التسوّل مجرّد سلوك فردي ناتج عن الفقر أو الحاجة، بل أصبح انعكاسًا لانهيارات متشابكة في أنظمة الحماية المجتمعية والأسرية. تتضافر في هذا السياق مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية التي تفسّر اتساع الظاهرة واستدامتها:

العوامل النفسية:

  • معاناة العديد من المتسوّلين من الصدمة المعقدة واضطرابات ما بعد الصدمة، لا سيما الأطفال والنساء، هم ضحايا لتجارب عنف أو فقدان أو نزوح، مما يولّد اضطرابات انفعالية طويلة الأمد.
  • تفاقم الشعور بعدم السيطرة على المصير نتيجة الفشل المتكرر في النجاة بكرامة وهو ما يسمى العجز المتعلّم، ما يدفع الأفراد إلى استخدام التسوّل كاستراتيجية نجاة نفسية.
  • الارتباط الشرطي والاعتماد السلوكي حيث يوفر التسوّل “تعزيزًا مباشرًا” (مثل النقود أو التعاطف) يُكرّس الاعتماد عليه، ويُصعّب الانفكاك منه دون تدخل سلوكي مخصص.
  • الخوف من النظرة الاجتماعية أو الرفض المؤسسي يدفع الأفراد إلى الانزواء والاعتماد على التسوّل بدلًا من طلب الدعم.
  • يعيش الأطفال المتسوّلون في فراغ نفسي وتربوي يؤثر على نموهم المعرفي والعاطفي، ويكرّس سلوكيات التعلق غير الآمن، والتسرّب من التعليم، والاضطراب في الهوية.

الآثار النفسية والاجتماعية للتسوّل في السياق السوري

لا تتوقف تداعيات التسوّل على إشباع حاجات يومية مؤقتة، بل تخلّف آثارًا تراكمية مدمّرة تطال بنية الفرد والمجتمع على السواء. فمع الوقت، يتحول التسوّل من سلوك طارئ إلى نمط عيش يُعيد إنتاج التهميش ويكرّس الإقصاء. وفي ظل غياب استجابات نفسية-اجتماعية ممنهجة، لا يكتفي التسوّل بإظهار هشاشة المجتمع، بل يكرّسها، ويعيد إنتاجها جيلًا بعد جيل. وعليه تنتج آثارا مدمرة على مستويين:

مستوى الفرد:

  • اضمحلال الهوية الشخصية وتتآكل قيمة الذات عند الفرد المتسوّل، ويتبنى هوية مبنية على “النجاة” بدلًا من الطموح، ما ينعكس على العلاقات، واتخاذ القرار، والثقة بالذات.
  • فقدان الانتماء فحياة الشارع تُنتج إحساسًا متزايدًا بالانفصال عن المجتمع، والعيش خارج منظومات الحماية والاعتراف.
  • الركود النفسي فقد يعاني الأفراد من انطفاء الحوافز، وصعوبات في تنظيم الانفعالات، والتعامل مع الضغوط، مما يُضعف قابليتهم للاستجابة لفرص الدمج أو التأهيل.
  • التأثير يتضاعف عند الأطفال تحديدا، إذ يتعطل نموهم المعرفي والانفعالي، وتضعف قابليتهم للتعلم، وتتكرّس أنماط سلوكية انفعالية غير منظمة.

ومستوى المجتمع:

  • إنتاج فجوات طبقية جديدة فيتحول المتسوّلون إلى “غير مرئيين” في سياسات الحماية، وتُنتج تفاعلات يومية مبنية على الشفقة الموسمية أو الإنكار، لا على الإدماج.
  • تآكل رأس المال الاجتماعي و تفكك الروابط التضامنية وضعف ثقة الأفراد بالمجتمع يعززان اللاتكافؤ، والتمييز، والانقسام.
  • تُشرعن الظاهرة عبر إعادة إنتاج اقتصاد هامشي، يصعب ضبطه، ويتقاطع أحيانًا مع الجريمة أو الاستغلال.

التوصيات 

توصي هذه الورقة باعتماد منظور وطني شامل قائم على النهج النفسي–الاجتماعي لمعالجة ظاهرة التسوّل في سورية، يرتكز على الدمج بين الرعاية النفسية، الحماية المجتمعية، والتعليم، بوصفها أدوات تعافٍ مجتمعي بعد الحرب، بدلًا من المقاربات العقابية أو الأمنية الضيقة.

ويُبنى هذا النهج على أربعة أعمدة رئيسية:

  1. العلاج النفسي الفردي والجماعي والأسري لمعالجة آثار الصدمة، العجز، والوصم الاجتماعي.
  2. إعادة التأهيل المهني والاجتماعي لضمان الانتقال من التسوّل إلى أنماط إنتاجية مستقرة وذات معنى.
  3. حماية شاملة للطفل والأسرة من كافة أشكال الاستغلال، خاصة في حالات التسوّل القسري والاتجار بالبشر.
  4. تحوّل في السياسات العامة من العقوبة والإقصاء إلى الرعاية، التمكين، والإدماج المجتمعي.

وانطلاقًا من هذا الإطار المفاهيمي، تُقترح الإجراءات والسياسات التنفيذية التالية:

  1. إطلاق برنامج وطني للصحة النفسية للمتسوّلين تحت إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالشراكة مع وزارتي الصحة والتربية والمنظمات المحلية، يشمل:
    • تقييم نفسي واجتماعي أولي.
    • تدخلات علاجية متدرجة (فردية، أسرية، جماعية).
    • إدارة حالة ومتابعة طويلة الأمد، لضمان استمرارية التعافي.
  2. إنشاء مراكز منخفضة العتبة لإعادة التأهيل النفسي والاجتماعي تُقدّم خدمات استقبال مرنة وتقييم شامل، وتشمل:
    • علاج نفسي متخصص (CBT، علاج جماعي، علاج باللعب للأطفال).
    • دعم قانوني، وتأهيل مهني محدود النطاق.
    • خط وطني ساخن للدعم النفسي والإحالة الطارئة.
  3. دمج خدمات الدعم النفسي الاجتماعي (MHPSS)ضمن خطط مكافحة التسوّل والاتجار بالبشر، بحيث تُعالج الأسباب الجذرية النفسية والاجتماعية، لا المظاهر السطحية للظاهرة.
  4. بناء قدرات العاملين الاجتماعيين والميدانيين عبر تدريب منهجي على الإسعاف النفسي الأولي (PFA)، والكشف المبكر عن اضطرابات الصدمة، الاكتئاب، والعنف الأسري، وإصدار دليل ميداني موحّد للتدخل.
  5. تطوير إطار قانوني وطني جديد لحماية الأطفال المتسوّلين ينص على إحالة أي طفل يُضبط في حالة تسوّل إلى وحدة حماية نفسية–اجتماعية بدلًا من التوقيف أو العقوبة، وضمان تحويل الحالات إلى مسارات علاج وتأهيل.
  6. تنفيذ حملات توعية مجتمعية ممنهجة تهدف إلى تغيير التصورات العامة تجاه المتسوّلين، عبر:
    • الحد من التعاطف العشوائي الذي يعزز الاعتماد.
    • تحويل التبرعات إلى قنوات مؤسسية آمنة تموّل إعادة الإدماج.
    • نشر رسائل توعوية تحترم الكرامة الإنسانية، مثل: “الطفل المتسوّل ضحية – ساعده عبر الطريق الآمن.”
  7. اعتماد بروتوكول إحالة وطني موحّد
    بين وزارات العدل، الصحة، الداخلية، التربية، والشؤون الاجتماعية، لضمان تنسيق فعّال وسريع بين القطاعات، مع آليات واضحة لرصد الانتهاكات ومساءلة شبكات الاستغلال.

خاتمة الفقرة

التسوّل في سورية لم يعد ظاهرة طارئة، بل انعكاس لأزمة نفسية واجتماعية ممتدة. والاستجابة الفعالة لا يمكن أن تعتمد على العقاب، بل على مزيج من الحماية، الرعاية، والتعليم. نوصي بتطبيق هذا النموذج في ثلاث مدن حضرية عام 2026، مع خطة توسّع على مدى 18 شهرًا، ومؤشرات أداء تُراجَع دوريًا من قبل مجلس وزاري مصغّر، لضمان استدامة الاستجابة والتعلّم منها.

رابعاً: خفض ظاهرة التسوّل عبر تعزيز القُدرة والدافعيّة والبدائل

إعداد خالد البقاعي ماجستير علم النفس السريري من جامعة لايدن في هولندا، ماجستير في السياسة الدولية وعلم النفس السياسي. عضو في جمعية الطبِّ النفسي وعلم النفس في هولندا، يعمل كأخصائي في مجال الطبِّ النفسي متعدِّد الثقافات في أمستردام.

يستند هذا القسم من الورقة على علم النفس التطبيقي والمعرفي مركزاً على المستوى التطبيقي المحلي (البلديات) في السياقات العربية–الإسلامية والدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط.

بهدف تقليل التسوّل في الشارع والتبرّع المباشر للمتسوّلين، مع تحسين الصحة النفسية والرفاه لدى الأشخاص الذين يمارسون التسوّل، أقترح التركيز على تدابير غير عقابية مستندة إلى أدلّة نفسية، وقابلة للتنفيذ على مستوى البلدية وأهمها:

1) تدخلات سريرية موجزة قابلة للتوسّع لتحسين الأداء الوظيفي والرفاه، من خلال تنفيذ برامج سلوكية معرفية موجزة يقدّمها مُيسّرون غير اختصاصيين في الملاجئ، ومراكز الاستقبال، والفرق الجوالة:

  • مهارات الانفعالات للمراهقين (EASE): سبع جلسات للمراهقين وثلاث لجلسات لمقدّمي الرعاية للحدّ من الأعراض الداخلية وتحسين التنظيم الانفعالي.
  • حلّ المشكلات بلس (PM+)، وحلّ المشكلات بلس – الجماعي (gPM+): خمس جلسات للبالغين تركّز على حلّ المشكلات، وتنظيم الضغوط، وتنشيط السلوك؛ مع إمكانية تقديمها جماعياً.
  • العلاج المعرفي السلوكي المُوجّه للصدمة (TF-CBT): بروتوكول علاجي لتخفيف أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب، والقلق لدى الأطفال واليافعين في أوضاع الهشاشة.
    لماذا هذا مهم؟ تحسين التنظيم الانفعالي وحلّ المشكلات والوظيفة النفسية–الاجتماعية يمهّد لخروجٍ مستدام من سُبل العيش الخطِرة في الشارع. (تُقاس في الدراسات تحسّنات نفسية ووظيفية؛ ولا يُقاس مباشرةً التوقّف عن التسوّل.)

2) برامج «مهارات الحياة» للأطفال في وضعية الشارع أو العاملين — دمج مناهج مهارات الحياة (اتخاذ القرار، حلّ المشكلات، التواصل) لخفض المشكلات السلوكية وتعزيز الكفاءات الاجتماعية؛ مع زيادة جرعة الجلسات عند الحاجة لبناء المرونة النفسية.

3) تصميم الاتصال العام لتعديل سلوك التبرّع —
سلوك التبرّع يتأثّر بالمواقف، والإحساس بالقدرة على الاختيار، وقنوات المعلومات.

 إجراءات عملية:
إطلاق حملات معيارية–معلوماتية عبر القنوات الرقمية وشبكات الأسرة والمجتمع التي يُرجَّح أن تقلّل العطاء المباشر، مع إبراز طرق المساعدة الفعّالة: خطوط المساعدة، الملاجئ، قسائم الوجبات/المأوى.

  • اعتماد لغةٍ داعمة للكرامة، وتجنّب الرسائل المُوصِمة، والتركيز على «إعادة توجيه» المساعدة إلى قنواتٍ آمنة وفعّالة.

4) جعل الخروج من التسوّل ممكناً عبر بدائل واقعية ودعمٍ تحفيزي: عبر إعادة تصميم برامج كسب العيش لتتجاوز نقل الأصول أو المنح لمرة واحدة وتشمل:

  • تقييم احتياجات فردي يحدّد العقبات النفسية والسلوكية والعملية.
  • عمل تحفيزي مُهيكل: تحديد أهداف قصيرة قابلة للقياس، وخطط حلّ مشكلات مأخوذة من (PM+/EASE).
  • تدريب مرافق ومتابعة نشطة لتثبيت السلوكيات البديلة وتصحيح المسار سريعاً عند التعثّر.
  • الدروس المستفادة من التقييمات تشير إلى أنّ نقل الأصول وحده لا يغيّر الدافعية للتوقّف عن التسوّل إذا غابت المرافقة السلوكية والحوكمة الرشيقة.

5) تقليل تعرّض الأطفال للشارع بدعم الالتحاق المدرسي — يقارب النتيجة 

  • مواءمة محلية مع برامج التحويلات النقدية المرتبطة بالتعليم لزيادة الالتحاق وتقليص الوقت المتاح للعمل في الشارع، مع ربطٍ وثيق بخدمات إدارة الحالة والحماية.

6) إزالة عوائق الوصول للبالغين الذين يمارسون التسوّل

  • اعتماد قنوات منخفضة المتطلبات القرائية تُطابق أنماط طلب المعلومات الفعلية: موجّهون من الأقران، ورسائل صوتية/واتساب، ومواد مبسّطة، وحجوزات ومذكّرات مواعيد عبر الهاتف المحمول.

التنفيذ:

  1. تهيئة مسارات الرعاية: تدريب فرق البلدية/الشركاء على EASE (للمراهقين) وPM+ / gPM+ (للبالغين)؛ توفير الإشراف السريري؛ إطلاق مجموعات أسبوعية في نقاط الاستقبال والملاجئ.
  2. حزمة الأطفال في وضعية الشارع: دمج مهارات الحياة مع دعم «العودة إلى المدرسة» وربط الحالات ببرامج التحويلات التعليمية القائمة حيث أمكن.
  3. حملة موجّهة للمتبرّعين: محتوى رقمي ومجتمعي يوضّح إلى أين تذهب المساعدة، ويقدّم بدائل فورية (قسائم وجبات/مأوى، خطوط مساعدة)، ويُعاد تدويره عبر قنواتٍ تُقلّل العطاء المباشر.
  4. إعادة تصميم برامج سبل العيش: اعتماد تقييم احتياجات + تدريب مرافق + متابعة بدل الحزم المعتمدة على الأصول فقط؛ وتجريب دورات قصيرة مع تحسين تكراري حسب النتائج.
  5. تمكين الوصول والمواظبة: نصوص توعية ومذكّرات مواعيد بصيغ صوتية؛ وتوظيف موجّهين من الأقران للحفاظ على الارتباط بالخدمات.
    المخاطر وآليات التخفيف
  • عدم تحقق أثرٍ على الخروج (يقصد بالخروج اي مغادرة الشخص حالة التسول) : يُخفَّف عبر التدريب المرافق والمتابعة النشطة والتعديل السريع للمكوّنات ضعيفة الأثر.
  • وصم غير مقصود من الرسائل: اعتماد لغة تحترم الكرامة، والتركيز على إعادة توجيه المساعدة، وتجنّب الصور/الألفاظ المُجحِفة.
  • تسرّب المشاركين من الرعاية: تفعيل قنوات منخفضة المتطلبات القرائية، واستخدام الأقران لزيادة المواظبة وتجاوز العوائق اليومية.

References 

Acarturk, C., et al. (2022, 2024). Group PM+ RCTs with Syrian refugees in Türkiye—reduced distress and impairment. BMC Psychiatry.
Alsheikh Ali, A. (2020). Psycho-social determinants of street beggars in Jordan. Journal of Content, Community & Communication, 10(5), 96–113.
Awang, S. A., Borhan, J. T., Mohamad, M. T., & Muhammad, F. (2017). Determinants of giving to beggars (Malaysia). Labuan e-Journal of Muamalat and Society, 11, 1–14.
Bryant, R. A., et al. (2022). EASE RCT in Amman, Jordan—less internalizing symptoms at 3 months. PLOS Medicine, 19(6), e1004046.
Erdoğan, Ö. (2024). Attitudes predicting helping beggars (Türkiye): religious orientation, empathy, collectivism. Proc. World Conf. on Psychology & Behavioral Sciences, 2(1).
Islam, M. S., & Nasrin, S. (2023). Beggars’ rehabilitation (Bangladesh)—no gains in wellbeing or motivation to stop begging. Humanities & Social Sciences Communications, 10, 120.
Mansour, E. (2017). Information-seeking of adult beggars (Egypt): informal channels, low literacy. Journal of Librarianship & Information Science, 49(1), 91–106.
Murray, L. K., et al. (2015). TF-CBT RCT (Zambia)—symptom reductions vs. usual care. JAMA Pediatrics, 169(8), 761–769.
Shein-Szydlo, J., et al. (2016). CBT RCT with street-connected youth (Mexico City)—reduced PTSD, depression, anxiety, anger. Journal of Traumatic Stress, 29(5), 406–414.
Taheri, S., et al. (2025). Life-skills for working children (Iran)—reduced behavioral problems; no resilience change. Journal of Early Childhood Health & Education, 6(1), 64–75.
WHO. (2018, 2020). PM+ and Group PM+ manuals—CBT-informed, lay-delivered interventions for communities in adversity. Geneva: WHO

خامساً: ظاهرة التسول من وجهة نظر إعلامية:

علاء احسان: صحفي سوري، حاصل على الماجستير في الصحافة التلفزيونية من جامعة هانوفر التطبيقية، يعمل كصحفي حر ومحرر أخباري وتلفزيوني لصالح العديد من وسائل الإعلام في ألمانيا أبرزها: RedaktionsNetzwerk Deutschland وHannoversche Allgemeine Zeitung.

بما يتعلق بوسائل الإعلام في سورية، فلا بد من التعامل مع ظاهرة التسول بشكل يراعي خصوصية الحالة بسبب الحرب وما خلفتها من آثار اقتصادية واجتماعية عميقة.

المقترحات للتعامل الإعلامي مع ظاهرة التسول:

  • عدم التطرق في وسائل الإعلام إلى التسول باعتباره ظاهرة اجتماعية سلبية (كالقول بأن التسول مهنة تدر دخلاً، وقد تقف خلفها شبكات منظمة..)، إنما يجب النظر إليه على أنه مشكلة اجتماعية يجب فهمها والأسباب الكامنة وراءها، ومحاولة تقديم حلول بما يكفل الحد منها، وإعادة دمج المتسولين/ات في المجتمع.
  • ضرورة تعامل وسائل الإعلام مع المتسولين على أنهم ضحايا ليس على أنهم جناة، فبالرغم من وجود شبكات تدير ظاهرة التسول، إلا أن السواد الغالب ممن امتهنها اضطر إلى ذلك، خاصة مع تردي الوضع الاقتصادي في سورية خلال سنوات الصراع.
  • تجنب كشف شخصيات المتسولين ووجوههم خلال التقارير الإخبارية حفاظاً على الخصوصية والكرامة الإنسانية للأشخاص، خاصة حينما تتناول هذه التقارير ظاهرة التسول بشكل عام، ومن الممكن في حالات معنية السير عكس هذه القاعدة، حينما تكون المادة الإعلامية تركز على حالة شخص ما قد وافق مسبقاً على كشف هويته للمشاهدين، مع ضرورة توخي الحذر في نشر معلومات قد تضر به، خاصة إن كان مستغلاً من قبل شبكات تسول منظمة، 
  • أما بالنسبة للأطفال والقاصرين، فالأولى دائماً إخفاء معالمهم، والتعامل معهم بحساسية عالية، تجنباً لملازمة “وصمة” التسول لهم طوال حياتهم.
  • عدم التركيز فقط على الظاهرة وضحاياها، إنما محاولة مساءلة الجهات الرسمية والضغط عليها وتسليط الضوء على الظاهرة لاتخاذ الإجراءات اللازمة للحد منها. والعكس صحيح، إذ ينبغي تجنب التركيز فقط على تصريحات المسؤولين والجهات الرسمية وإغفال ضحايا هذه الظاهرة.
  • ضرورة التركيز في وسائل الإعلام على قضايا الرعاية الاجتماعية وتوفير بدائل (فرص عمل، فرص تدريب) أكثر من التركيز على قضايا الضبط الأمني للظاهرة (إلا إن كان الوضع يتطلب ذلك)، إذ يمثل إيلاء الحل الأمني الأولوية خدمة لأجندات سياسية (الدولة تفرض سيطرتها) على حساب الالتزام الصحفي الأخلاقي بالقضية.

الخاتمة

ختامًا، تشكّل ورقة السياسات بأقسامها الخمسة، منظورًا متكاملًا لفهم ظاهرة التسول في سورية من زواياها التشريعية والاجتماعية والنفسية والإعلامية، وتفتح المجال أمام مقاربة علمية شاملة تقوم على الوقاية والعلاج معًا. عسى أن تسهم الأفكار والرؤى المطروحة في صياغة سياسات وطنية أكثر إنصافاً وفعالية، تُعالج جذور الظاهرة لا مظاهرها فحسب كما كان الحال في عهد نظام البعث. ندعم جهود وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في بناء مجتمع متماسك يُصان فيه الإنسان وتٌحفظ كرامته، ونعبر عن استعدادنا لتقديم الاستشارات العلمية والعملياتية، كلٌ في مجال تخصصه.

تم النشر ضمن غير مصنف
السابق
كل المقالات
التالي