المزيد
من الخيارات

 سلسلة التّراث الثّقافيّ في سورية، من الدمار إلى التجديد

 سلسلة التّراث الثّقافيّ في سورية، من الدمار إلى التجديد
التصنيف: لجنة الآثار والتراث الثقافي
تاريخ النشر يوليو 7, 2025
المحرر: Rannem Bakir

سلسلة التّراث الثّقافيّ في سورية، من الدمار إلى التجديد

الورقة رقم 2

تقييم حالة مواقع التراث الثقافي: استراتيجيات الحماية، والحفاظ، وإعادة الإعمار


حمل المقال كملف Pdf

المقدمة

يُعتبر الدمار الواسع والأضرار التي لحقت بالمعالم والأوابد الأثريّة والمتاحف ومواقع التّراث الثّقافيّ في سورية تهديداً مباشراً للهويّة الثّقافيّة والذاكرة الجمعية للمجتمع السّوري المتعدد الهويات والأعراق والأديان. إذ أسهم النزاع المسلح في سوريّة الذي نشأ نتيجة بطش سلطات النظام السابق لمواجهة وقمع ثورة الشعب السّوري (٢٠١١-٢٠٢٤) إلى تدمير كبير في منشآت التّراث الثّقافيّ على امتداد الأراضي السّوريّة، بالإضافة إلى التدمير الممنهج الذي حصل من قبل بعض المجموعات المتطرفة كتنظيم داعش، حيث طال عنف النزاع السّوري المسلح إلى مواقع اليونسكو للتّراث العالميّ، بما في ذلك موقع تدمر الأثريّ ومدينة حلب القديمة، والقرى القديمة في شمال سوريا في محافظة إدلب (المدن المنسية).

أثار ذلك مخاوف محلّيّة وإقليميّة ودوليّة بشأن خسارة محتملة لا رجعة فيها للتّراث المشترك للإنسانيّة. حيثُ أنّ فقدان التّراث الثّقافي (بشكل خاص: المعالم الأثريّة والمباني التراثية) يُسلّط الضوء على التأثيرات الأوسع نطاقاً للتدمير الثّقافي، بما في ذلك تآكل التماسك الاجتماعي، والتداعيات الاقتصاديّة على السّياحة، فضلاً عن الآثار النفسيّة الطويلة الأمد على السكان المحليين المتضرّرين.

وفي ظل التطورات الميدانيّة الأخيرة التي أسهمت في انتصار الثورة السّوريّة وتحقيق المطالب الشعبية بإسقاط نظام البعث في سوريا بتاريخ ٨ كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٤، تعالت الأصوات في المنصّات الأكاديميّة وأروقة منظمات المجتمع الدّوليّ حول أهمية إنتاج معرفة محلّيّة متخصّصة بتقييم حجم ومدى الأضرار التي لحقت بالتّراث الثّقافيّ وخصوصًا المواقع الأثريّة والمتاحف في سوريا.

بناءً عليه، ومن أجل إنتاج معرفة متخصصة بتقييم حال التّراث الثّقافيّ في سوريّة، قام أعضاء من فريق عمل لجنة الآثار والتّراث الثّقافيّ بإعداد سلسلة من أوراق العمل ستُعرض في مجموعة أوراق سياسات للمجلس العلمي السوري. تناولت الورقة الأولى منهجيات تقييم الأضرار عبر توظيف منهج متعدد التخصصات يجمع بين مختلف الوسائل التقنية المتقدمة واستراتيجيات التحليل الميدانيّ للأضرار. تهدف هذه الورقة إلى تقديم رؤية علمية دقيقة حول حجم الأضرار، وتأثيرها، والسبل الممكنة لمعالجتها، وذلك لدعم جهود الحفاظ على التّراث الثّقافيّ السّوريّ للأجيال القادمة، وبالتالي تحقيق شروط الاستدامة له.

ملخص الورقة وأهميتها

تضم سوريّة مئات المواقع الأثريّة المسجلة على المستويين الوطنيّ والدّوليّ، التي تمثل جانباً أساسياً من التّراث الثّقافيّ السّوريّ وتوثّق الحياة اليومية والتّقاليد المحلّيّة عبر العصور. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى تعرض الكثير منها لأضرار جسيمة خلال النزاع، شملت الإهمال، التّدمير، والنهب. كما تحتوي سوريّة على ستة مواقع مدرجة على قائمة اليونسكو للتّراث الثّقافيّ العالميّ، وهي: مدينة حلب

القديمة، مدينة بصرى القديمة، مدينة دمشق القديمة، القرى القديمة في شمال سورية، قلعة الحصن وقلعة صلاح الدين، موقع تدمر (صورة ١). وتعرضت جميعها لأضرار متفاوتة خلال النزاع، مما أدّى إلى إدراجها على قائمة اليونسكو للتّراث الثّقافيّ العالميّ المعرض للخطر في عام 2013. تعكس هذه المواقع الستة تنوع التّراث الثّقافيّ السّوريّ وغناه، حيث تمثل حقباً تاريخيّة مختلفة وأنماطاً معمارية متنوعة، من عصور ما قبل التاريخ والعصور الكلاسيكية إلى العصور الإسلامية. كما أنّها تعكس التنوع الجغرافيّ للتّراث السّوريّ، إذ تتوزع في مختلف أنحاء الجغرافيّا السّوريّة.

شهدت سوريّة جهوداً وطنية ودوليّة لتّوثيق الأضرار التي لحقت بالتّراث الثّقافيّ خلال النزاع. تولّت المنظمات الرسميّة وغير الربحيّة بعض أعمال التّوثيق الميدانيّ، وتنفيذ مشاريع لحماية المواقع، ونقل القطع الأثريّة. كما أسهمت المجتمعات المحلّيّة في حماية بعض المعالم عبر مبادرات توثيق وإنقاذ. دوليّاً، أدرجت اليونسكو المواقع السّوريّة على قائمة التّراث المهدد بالخطر، وأطلقت مشاريع توثيق رقمي للحفاظ عليها. مع ذلك، لا يزال وضع التّراث السّوريّ في حاجة إلى جهدٍ كبير لاستكمال تقييم الأضرار ولا يزال هناك الكثير من العمل المطلوب لحماية التّراث السّوريّ وضمان حمايته للأجيال القادمة. بالإضافة لتقييم حالة المواقع الأثرية، تسعى هذه الورقة في سلسلة الأوراق إلى تقديم سلم أولويات للتدخل الإسعافيّ، إلى جانب استراتيجيات للحفاظ على التراث الثقافي، والحماية، وإعادة التأهيل، لضمان بقاء هذا التّراث، واستعادته كجزء من مشروع وطنيّ جامع لإعادة بناء سوريّة وهويتها الثّقافيّة.


A map of the country
AI-generated content may be incorrect.

صورة ١ـ توزع مواقع التراث العالمي لليونسكو والمواقع الأثرية الرئيسية المهددة بالخطر في سورية. المصدر: نور الله منوّر ٢٠٢٤

تقييم حالة أهم المواقع التراثية

مدينة حلب القديمة

تُعد مدينة حلب القديمة من أكثر مواقع التّراث الثّقافيّ المتضررة في سوريّة. إذ تعرضت لأضرار بالغة نتيجة للاشتباكات المسلحة والقصف المدمر، خاصة خلال الأعمال القتالية الممتدة بين عامي ٢٠١٢ – ٢٠١٦ (صورة ٢). منذ نهاية الأعمال القتالية في حلب أواخر عام ٢٠١٦، شهدت المدينة القديمة عدداً من المبادرات المهمّة التي هدفت إلى تقييم الأضرار، تنفيذ أعمال إسعافيّه، والانطلاق في جهود التّرميم وإعادة التأهيل، وخاصة في الجامع الأموي الكبير، أسواق حلب القديمة، وقلعة حلب.

A city with many people
AI-generated content may be incorrect.

صورة ٢ – دمار التراث الثقافي جنوب قلعة حلب – مبنى السرايا وجامع السلطانية والمدرسة الخسروفية. المصدر: يوسف كنجو شباط ٢٠٢٥

بالإضافة إلى ذلك، أُطلقت العديد من المبادرات لتّقييم الأضرار التي لحقت بمدينة حلب بعد زلزال قهرمان مرعش (تركيا) عام ٢٠٢٣، نفّذتها جهات متعددة محلّيّة ودوليّة. غير أنّ هذه التقييمات جاءت في سياق معقّد، إذ لم تقتصر الأضرار على ما خلّفه الزلزال وحده، بلّ تراكبت فوق دمار سابق واسع النطاق، سببه النزاع المسلح الذي استمر لسنوات. وتنوعت طبيعة هذه الأضرار بين هيكلية خطيرة، وتدهور في العناصر المعمارية والزخرفية، وأضرار في البنية التحتية والخدمات الأساسية، مما أدّى إلى تفاقم هشاشة البيئة العمرانية. وفي الآونة الأخيرة، بدأت تظهر أضرار من نوع جديد ناتجة عن المخالفات المستحدثة، إذ شهدت المدينة وبعض المواقع إضافات غير قانونية، مثل بناء طوابق جديدة فوق مبانٍ تراثيّة، ما يشكّل خطراً إنشائياً مباشراً ويؤدي إلى تشويه النسيج العمرانيّ التاريخيّ. كما سُجِّلت حالات تعدٍّ على مواقع أثريّة عبر حفريات غير مرخصة أو إضافات عشوائيّة غيّرت من طبيعة هذه المواقع، وأدّت إلى فقدان جزء من ملامحها الأصلية.

ففي كثير من الحالات، ألحق الزلزال أضراراً إضافية بمواقع كانت أساساً في حالة إنشائية حرجة بسبب القصف أو الإهمال، بينما أدّى إلى انهيار كليّ أو جزئيّ لمبانٍ أخرى كانت صامدة خلال فترة النزاع (صورة ٣). كما تضررت مواقع لم تخضع سابقاً لأي توثيق أو تقييم، مما يزيد من صعوبة رسم خريطة دقيقة لواقع المدينة التّراثيّ.

صورة ٣ – دمار التراث الثقافي في مدينة حلب القديمة – الجهة الجنوبية من مبنى السرايا وقلعة حلب. المصدر: يوسف كنجو شباط ٢٠٢٥

لكن غياب التنسيق بين الجهات المنفّذة للتّقييم، وتعدد المنهجيات المستخدمة، أدّى إلى تشتت البيانات وصعوبة تتبّع مدى شموليّة التّوثيق أو مقارنته عبر الزمن. لذا، تبرز الحاجة الملحة لإنشاء قاعدة بيانات موحدة، تُدمج فيها نتائج التقييمات السابقة والحديثة، وتصنّف الأضرار حسب مصدرها (نزاع، زلزال، إهمال)، ومستواها (هيكليّ، معماريّ، زخرفيّ، وظيفيّ)، ومدى خطورتها الحالية. سيُسهم هذا التكامل في البيانات في إعادة تقييم دقيقة وشاملة لحالة التّراث الثّقافيّ، وتحديد المواقع التي تحتاج إلى تدخل عاجل، أو إعادة تقييم مستمر، مما يمكّن من ترتيب أولويات التدخلات وفقاً لدرجة الخطورة، السياق المحلّيّ، وفرص التمويل المتاحة، بما يدعم جهود حماية هذا التّراث الفريد في ظل التحديات المتداخلة.

القرى القديمة في شمال سوريّة (المدن المنسية)

تُعد “المدن المنسية” مجموعة من أكثر من 40 قرية أثريّة تعود للفترة بين القرن الأول والسابع الميلاديّ، وتقع في محافظتي إدلب وحلب شمال غربيّ سوريّة. أُدرجت عام 2011 على قائمة اليونسكو للتّراث العالميّ، لما تمثله من نموذج فريد للاستيطان الريفيّ في العصور الرومانية والبيزنطية، وما تحتويه من معابد وكنائس وبيوت ومعاصر.

تعرضت هذه المواقع خلال فترة النزاع، لأضرار متباينة بسبب الإهمال، والتّنقيب غير المشروع، والتّوسع العمرانيّ، والاستخدام العسكريّ. وشملت الأضرار تدمير أجزاءً من المبانيّ، وتآكل العناصر الزخرفية، وتهريب قطع أثريّة من مواقع مثل البارة وجرادة وسيرجيلا. ورغم بقاء الكثير من القرى بهيئاتها المعمارية الأساسيّة، إلا أنّ غياب التدخل الفعّال يهدد بفقدانها، ما يستدعي تحركًا عاجلًا للتّوثيق والحماية.

واقع تراثيّة خارج قائمة اليونسكو

تحتوي سوريّة على آلاف المواقع التّراثيّة التي لا تندرج ضمن قائمة التّراث العالميّ، لكنها تمثل جزءاً أساسيّاً من الهويّة الثّقافيّة على المستوى الوطنيّ والمحلّيّ. وتشمل هذه المواقع أحياء تقليديّة، مبانيّ تاريخيّة، منشآت دينية، وأسواق قديمة، تنتشر في مختلف المدن والبلدات السّوريّة.
فعلى سبيل المثال، تعرض الحيّ القديم في مدينة حمص، بما في ذلك السوق المسقوف وكنيسة أم الزنار، لأضرار واسعة خلال النزاع، أدّت إلى تدمير أجزاء كبيرة من نسيجه المعماريّ التاريخيّ.
وفي دير الزور، تضرر الجسر المعلق، أحد أبرز معالم المدينة، بشكّلٍ كبير نتيجة العمليات العسكريّة، كما لحقت أضرار بعدد من المبانيّ التّراثيّة في حي الحويقة.
أمّا في مدينة درعا القديمة، فتعرضت الأسواق التّقليديّة، والجامع العمري، وهو من أقدم المساجد الإسلاميّة في سوريّة، لأضرار جسيمة نتيجة القصف، ما أدّى إلى انهيار أجزاء كبيرة من بنيته المعماريّة.

المواقع الأثريّة الكبرى

يُعد موقع دورا أوروبوس، الواقع على الضفة الغربية لنهر الفرات في محافظة دير الزور، من أهمّ المواقع الأثريّة في سوريّة، حيث كان مدينة حدوديّة مزدهرة خلال الفترة الهلنستية والرومانية. يشتهر الموقع بتعدد دياناته وثقافاته، ويضم بقايا معابد، كنائس، وكنيس يهودي يُعد من أقدم ما تم اكتشافه في العالم. تعرّض الموقع خلال فترة النزاع، لعمليات نهب وتخريب واسعة النطاق، بما في ذلك الحفر غير الشرعيّ المنظم، ما أدّى إلى فقدان عدد كبير من الكتل المعماريّة المهمّة فيه وكذلك القطع الأثريّة وتدمير الطبقات والسويات الأثريّة. كما أُشير إلى استخدام بعض أجزاء الموقع لأغراض عسكريّة. ونتيجةً لذلك، تعرضت قيمته الأثريّة والعلميّة لخسائر فادحة غير قابلة للاسترداد. تُسلّط حالة دورا أوروبوس الضوء على أهمية حماية المواقع الأثريّة النائية، وضرورة تفعيل نظم المراقبة والتّوثيق الرقميّ، وتكثيف التعاون مع المجتمعات المحلّيّة والجهات الدّوليّة للحد من النهب والحفاظ على ما تبقى من هذا الموقع.

أهمّ المتاحف المتضررة

تعرّض الكثير من المتاحف السّوريّة بمختلف أنواعها (من الدرجة الأولى أي المتاحف الوطنية للآثار والدرجة الثانية أي متاحف التّراث الشعبيّ ومتاحف المواقع الأثريّة بالإضافة إلى منازل البعثات الأثريّة) لأضرار جسيمة خلال سنوات النزاع، سواءً بسبب القصف، أو النهب، أو الإهمال، مما أّدى إلى فقدان بعض المقتنيات النادرة فيها، والأرشيف الورقيّ الخاص بها، وتدمير أجزاء من البنية التحتيّة الثّقافيّة. من أبرز المتاحف المتضررة:

متحف حلب الوطني (محافظة حلب): تعرّض لأضرار جزئية، وتم تأمين عدد من المقتنيات خلال فترة النزاع، كما تم تعزيز أجزاء من المبنى التي تضررت هيكلياً.

متحف الرقة (محافظة الرقة): تعرض لأضرار شديدة ونهب ممنهج، وفُقدت العديد من القطع الأثريّة المرتبطة بحضارات الفرات. رُمم وإعادة افتتاحه عام 2020، ولكن الكثير من القطع تضررت وبحاجة للتّرميم من قبل الفرق المختصة، بالإضافة إلى سرقة جزء كبير من محتوياته مع الأرشيف.

متحف دير الزور (محافظة دير الزور): تعرض لأضرار إنشائية كبيرة ونُهب جزء من مقتنياته خلال سيطرة الجماعات المسلحة على المدينة.

متحف معرة النعمان (محافظة ادلب): أحد أغنى المتاحف بالفسيفساء الرومانية والبيزنطية، تعرض لأضرار جسيمة بسبب القصف المتكرر، شملت قاعاته وجدرانه.

متحف تدمر (محافظة حمص): تعرض للتخريب والنهب خلال فترة سيطرة تنظيم داعش على المدينة، وهُرب الكثير من القطع الأثريّة، كما ودُمرّ تماثيل نادرة كانت معروضة في باحته كتمثال أسد اللات.

أولويات التدخل الإسعافيّ في المواقع الأثريّة والمبانيّ التاريخيّة

في ضوء حجم الدمار الواسع الذي لحق بالتّراث الثّقافيّ السّوريّ وتنوعه، ومحدودية الموارد المتاحة، من الضروريّ وضع سلم أولويات للتدخل الإسعافيّ. ونقترح اعتماد المعايير التالية لتحديد الأولويات:

معايير تحديد الأولويات

مستوى الخطر الإنشائي: إعطاء الأولوية للمبانيّ والمواقع المعرضة لخطر الانهيار الوشيك التي من الممكن أنّ تُؤثر على البنية العمرانية المحيطة. إذ يؤثر انهيار المبانيّ المعرضة للخطر على المبانيّ التاريخيّة المجاورة أو البنية التحتيّة المحلّيّة.

القيمة التاريخيّة والثّقافيّة: إعطاء الأولوية للمواقع ذات القيمة الاستثنائية من الناحية التاريخيّة والثّقافيّة والفنية.

إمكانية الوصول والأمان: مراعاة إمكانية الوصول إلى الموقع والظروف الأمنية المحيطة به.

الجدوى التقنية والاقتصاديّة: تقييم إمكانية التدخل من الناحية التقنية والموارد المطلوبة.

الأهمية المجتمعيّة: مراعاة أهمية الموقع بالنسبة للمجتمع المحلّيّ وارتباطه بالهويّة الثّقافيّة، وبالأخص المواقع التي تُسهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعيّ، مثل الأسواق التاريخيّة أو دور العبادة التي لا تزال مستخدمة.

تصنيف المواقع حسب أولوية التدخل

بناءً على المعايير السابقة، يمكن تصنيف المواقع إلى ثلاث فئات:

مواقع ذات أولوية قصوى: تتطلب تدخلاً فورياً / إسعافياً لمنع انهيارها أو تفاقم الضرر، مثل أجزاء من الجامع الأموي الكبير في حلب وبعض المبانيّ التاريخيّة المتضررة بشدة في مدينة حلب القديمة كالمواقع المتأثرة بزلزال شباط/ فبراير 2023 في الشمال السوريّ، والمواقع مهددة بالتخريب البشريّ نتيجة للنهب والتّنقيب غير المشروع في مناطق الاضطرابات الأمنية.

مواقع ذات أولويّة متوسطة: تتطلب تدخلاً في المدى المتوسط، مثل بعض المواقع الأثريّة التي تعرضت لأضرار جزئية، ولكنها ليست معرضة لخطر الانهيار الفوريّ، مثل موقع تدمر الأثريّ (صورة ٤) والمواقع الأثريّة الواقعة في منطقة الجزيرة السّوريّة المتأثرة بالعوامل الجوية.

مواقع ذات أولوية طويلة الأجل: مواقع تعرضت لأضرار طفيفة أو يمكن تأجيل التدخل فيها دون مخاطر إضافية.
A stone structure in a desert
AI-generated content may be incorrect.

صورة ٤ – دمار التراث الثقافي في تدمر  المصدر: الأصوات التدمرية (التراث من أجل السلام) آذار ٢٠٢٥

خطة عمل للتدخل الإسعافيّ

تشمل خطة العمل الخاصة بالتدخل الإسعافيّ في المواقع ذات الأولوية القصوى التدخلات التالية:

توثيق شامل: إجراء توثيق مفصل للحالة الراهنة قبل أي تدخل.

إزالة الأنقاض: إزالة الأنقاض بطريقة منهجية مستدامة مع الحفاظ على العناصر الأصلية.

تأمين الموقع: اتخاذ إجراءات لتأمين الموقع ومراقبته ومنع التعديات والسرقات.

التدعيم المؤقت: تنفيذ إجراءات التّدعيم المؤقت للمبانيّ المعرضة لخطر الانهيار باستخدام مواد غير تدخليه وسهلة الإزالة لاحقاً.

الحماية من العوامل الجوية: تغطية المبانيّ والأجزاء المتضررة لحمايتها من الأمطار والعوامل الجوية.

بناء قدرات محلية: تدريب فرق محلية على إجراءات التدخل الإسعافيّ، لضمان استمرارية الجهود حتى في ظل الظروف الصعبة.

استراتيجيات ومناهج الحفاظ والحماية وإعادة الإعمار

بعد تنفيذ التدخلات الإسعافيّة العاجلة، تبدأ مرحلة التخطيط للتدخلات المستدامة متوسطة وطويلة الأمد، التي تهدف إلى الحفاظ على المواقع التّراثيّة، حمايتها، وإعادة تأهيلها أو إعمارها. وتستند هذه المرحلة إلى مبادئ توجيهية واستراتيجيات تقنية تضمن التوازن بين حماية الأصالة وبين استدامة الاستخدام. فيما يلي أهمّ المبادئ والاستراتيجيات الخاصة بالحفاظ وحماية وإعادة التأهيل وإعادة الإعمار المواقع التّراثية والأثريّة:

مبادئ توجيهية للحفاظ على التّراث الثّقافيّ وترميمه

احترام القيمة التاريخيّة والأصالة: ضرورة الحفاظ على القيمة التاريخيّة والأصالة للمواقع والمبانيّ التّراثيّة، وتجنب التدخلات التي من الممكن أنّ تشوه ملامحه أو تحرف قيمته الثّقافيّة، كما حدث في بعض التجارب السلبية، مثل التكية السليمانية في دمشق.

التدخل الأدنى الضروريّ: اعتماد مبدأ الحد الأدنى من التدخل لضمان الاستقرار البنيويّ، مع تقليل الأثر على العناصر الأصيلة قدر الإمكان.

قابلية التمييز: ضمان إمكانية التمييز بين العناصر الأصلية والعناصر المضافة أثناء التّرميم.

التوثيق الشامل: توثيق جميع مراحل التدخل بشكّل شامل ودقيق.

استخدام المواد والتقنيات المناسبة: استخدام مواد وتقنيات متوافقة مع المواد والتقنيات الأصلية، مع مراعاة معايير الاستدامة.

استراتيجيات الحفاظ المناسبة لمختلف أنواع الأضرار

التّدعيم الهيكلي: مناسب للمبانيّ التي تعرّضت لأضرار إنشائية كبيرة لكنها لا تزال قائمة، ويهدف إلى تعزيز سلامتها البنيوية دون الإخلال بمكوناتها الأصلية.

التّرميم التدريجيّ: للعناصر المعمارية والزخرفية المتضررة جزئياً. باستخدام الحرف اليدويّة التقليديّة متى أمكن.

إعادة البناء الجزئي: للعناصر المفقودة التي تتوفر عنها وثائق أو توثيق كافٍ، بهدف إعادة إنشائها بطريقة علمية تحترم السياق التاريخيّ والمعماريّ.

التّوثيق الرقميّ: للمواقع المدمرة بالكامل من خلال الوثائق المتوفرة، بما يمكّن من إعادة تصور المبنى في المستقبل، ويساهم في الحفاظ على ذاكرته الثّقافيّة حتى في غياب المكون الماديّ.

الخاتمة والتوصيات النهائيّة

مع انتهاء النزاع في سّوريّة والتوجّه نحو مرحلة التعافيّ، برزت الحاجة الملحّة إلى التعامل مع ملف التّراث كجزء لا يتجزأ من جهود إعادة الإعمار وبناء السلام. إن عملية إعادة تأهيل وإعادة إعمار التّراث الثّقافيّ السّوريّ ليست مجرد مسألة ترميم مبانٍ ومعالم أثرية، بل هي عملية إعادة بناء للهويّة الثّقافيّة والذاكرة الجمعية للمجتمع السّوريّ، وإحيائها والارتقاء بها. إن نجاح جهود حماية التّراث الثّقافيّ السّوريّ وترميمه يتطلب تضافر جهود جميع الأطراف المعنية، من مؤسّسات حكوميّة ومنظمات دوليّة ومجتمع مدنيّ وخبراء ومتخصصين.
ولأهمية التراث وإعادة بنائه، نسعى في سلسلة الأوراق هذه إلى إنتاج معرفة متخصصة بحال التّراث الثّقافيّ في سوريّة وعرض الحلول للمشاكل المتعلقة بوضع الآثار. عرضت الورقة الأولى من هذه السلسلة، منهجيات تقييم الأضرار عبر توظيف منهج متعدد التخصصات يجمع بين مختلف الوسائل التقنية المتقدمة واستراتيجيات التحليل الميدانيّ للأضرار. كما تعرض الورقة الثانية التي نقدمها هنا خطط للتدخل تستند إلى أولويات واضحة، وتنفيذ استراتيجيات للحفاظ والتّرميم ضمن إطار تشاركيّ يستند إلى المعرفة العلميّة، ويُراعي السياقات الاجتماعيّة والثّقافيّة. وفي ختام هذه الورقة، نقدم التوصيات التالية المتعلقة باستراتيجيات الحماية، والحفاظ على الآثار:

  1. وضع خطة وطنية للتدخل الإسعافيّ في المواقع ذات الأولوية القصوى، مع التركيز على المواقع المعرضة لخطر الانهيار الوشيك والمواقع ذات القيمة الاستثنائية.
  2. بناء القدرات الوطنيّة في مجال حماية التّراث وترميمه، من خلال برامج تدريبية متخصصة للكوادر المحلية، ونقل الخبرات والتّقنيات الحديثة.
  3. تعزيز إشراك المجتمعات المحلية، دعم المبادرات المجتمعية التي تسهم في حماية التراث، وتدريب السكان المحليين على توثيقه وصيانته، بما يعزز الوعي والملكية المجتمعية للمواقع التراثية.
  4. إنشاء نظام للرصد المستمر لحالة المواقع التّراثيّة، لمتابعة تطور الأضرار وتقييم فعالية إجراءات التدخل، وتحديث الخطط والاستراتيجيات بناءً على النتائج.
  5. تعزيز الشراكات الإقليميّة والدّوليّة، تطوير شراكات فعّالة مع المنظمات الدّوليّة والمراكز البحثية المتخصصة، لضمان الاستفادة من الخبرات والدعم الفني في مختلف مراحل التّرميم والإدارة.

في الختام، إن إعادة إعمار وتأهيل التّراث الثّقافيّ في سّوريّة هي مسؤولية مشتركة تقع على عاتق جميع السوريين داخل وخارج البلاد، ويجب أن تتضمن إشرافاً حكومياً مسؤولاً وأن يضم كافة أفراد وفئات المجتمع السوري المتنوعة بالإضافة إلى المؤسّسات الوطنيّة الرسمية والدّوليّة التي تُعنى بالتراث الثقافي. من خلال العمل التشاركي والجهود المتضافرة، سيتمكن السوريون من الحفاظ على تّراثهم الغالي للأجيال القادمة، وإعادة بناء هويّتهم الثّقافيّة ومعالمهم التاريخية التي تعرضت للتهديد والأضرار خلال سنوات النزاع الطويلة. 

في هذا السياق، يمكن للمجلس العلمي السوري أن يساهم بتقديم استشارات دورية أو ورشات عمل مع من يصوغ السياسات أو التنفيذيين من أجل ضمان الوصول للحالة المُثلى من تطبيق ممارسات الحفاظ وإعادة تأهيل وإعادة إعمار التراث الثقافي في سّوريّة. من خلال العمل المشترك بين المؤسّسات الحكوميّة، المنظمات الدّوليّة، الخبراء، والمجتمعات المحلّيّة، يمكن تحويل عملية إعادة إعمار التّراث الثقافي في سّوريّة إلى نموذج يحتذى به عن قدرة المجتمعات على التعافي بعد النزاعات ولتوظيف التراث كإحدى الوسائل الموحدة لكافة فئات وأطراف الفسيفساء المجتمعية في سّوريّة (أفراداً وجماعات) مما يساهم في بناء مستقبل أكثر إشراقاً يستند إلى احترام الماضيّ والاستفادة منه في صياغة حاضر ومستقبل أكثر استدامة.

المؤلفون

د. نور الله منور
د. هبة الخلف
د. إسبر صابرين
د. مياسه ديب
د. زينا عوض

التدقيق العلمي
أ. د. عبد الرزاق معاذ

التدقيق اللغوي
عدنان عبد الله

تم النشر ضمن لجنة الآثار والتراث الثقافي
السابق
كل المقالات
التالي