استخدام الطائرات المسيرة وصور الأقمار الصناعية في تقييم الأضرار
الملخّص التنفيذي:
يستعرض هذا التقرير الكيفية التي يمكن من خلالها للطائرات المسيّرة (الطائرات بدون طيار/ الدرونز) وصور الأقمار الصناعية أن تساهم بشكل كبير في دعم عملية إعادة إعمار سوريا بعد الحرب، وذلك من خلال تمكين تقييم الأضرار بسرعة، والتخطيط المستنير، وتخفيف المخاطر (بما في ذلك مخاطر الذخائر غير المنفجرة التي تناولها أحد التقارير السابقة للمجلس العلمي السوري بشكل مفصل)، ومتابعة تقدم أعمال الإعمار، وضمان الشفافية أمام الجمهور والجهات المانحة.
وفي الوقت نفسه، يسلط التقرير الضوء على التحديات والمخاطر الرئيسية المرتبطة باستخدام هذه التقنيات، مثل المشكلات التقنية وقابلية التنفيذ، وأمن البيانات والخصوصية، ومستوى الوعي المجتمعي وبناء القدرات، والعقبات القانونية والتنظيمية.
واستنادًا إلى أمثلة من سوريا وأوكرانيا وقطاع غزة، يختتم هذا الموجز بتوصيات واضحة للوزارات، وصنّاع السياسات، ووكالات إعادة الإعمار، ومنظمات المجتمع المدني.
المقدمة:
تسببت سنوات الصراع في سوريا في دمار واسع النطاق للمدن والقرى والبنية التحتية والمعالم الثقافية، ولا يزال الوصول إلى العديد من المناطق صعبًا، في حين أن المسوحات الميدانية التقليدية غالبًا ما تكون بطيئة وخطرة وغير مكتملة. في هذا السياق، توفر التقنيات الجغرافية عالية الدقة أدوات جديدة وفعالة نركز هنا على 3 أدوات هي: الطائرات المسيّرة (المركبات الجوية غير المأهولة المسماة اختصاراً بـ UAV) وأنظمة الطيران المسير التي تقودها المسماة بـ UAS، بالإضافة لصور الأقمار الصناعية.
تتيح هذه الأدوات رؤية شاملة من الجو حتى في المناطق التي يصعب الوصول إليها برًا، ويمكنها رسم خرائط الأضرار بسرعة، ودعم التخطيط لإعادة الإعمار، وتحديد المخاطر الأمنية (مثل حقول الألغام)، ووضع خط أساس لرصد التقدم وضمان المساءلة.
في العديد من المناطق المتأثرة بالحروب والكوارث، أثبتت الطائرات المُسيّرة بدون طيار بالفعل مدى فعاليتها في تقييم الدمار والتخطيط لإعادة الإعمار.
فعلى سبيل المثال، أظهرت دراسة أجراها باحثون في معهد بكين للتكنولوجيا عام 2023 أن الطائرات بدون طيار المزوّدة بكاميرات عالية الدقة يمكنها التقاط آلاف الصور للمناطق المتضررة، وإنشاء نماذج ثلاثية الأبعاد دقيقة للمباني. وهذا يساعد المهندسين على رؤية الشقوق والأسقف المنهارة والجدران المائلة دون الحاجة إلى دخول المواقع الخطرة.
وعلى الصعيد العالمي، أصبح استخدام صور الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة جزءًا أساسيًا من جهود الاستجابة الإنسانية والتعافي في كلٍّ من أوكرانيا وقطاع غزة.
أما في حالة سوريا التي تواجه أحد أكبر تحديات إعادة الإعمار في القرن الحادي والعشرين، فإن تسخير هذه التقنيات يفتح الطريق أمام عملية إعادة إعمار أكثر كفاءة وشفافية واستدامة.
الاستخدامات الأساسية المحتملة
تقييم الأضرار
تُتيح الطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية تحديد حجم الدمار وتقديره بسرعة في المباني والبنية التحتية (كالطرق والجسور وشبكات الكهرباء) والمناطق المفتوحة، حتى في الأماكن التي يصعب الوصول إليها.
فعلى سبيل المثال، في عام 2016 قام برنامج UNITAR – UNOSAT برسم خريطة للأضرار في أحياء دمشق، مثل جوبر وعربين باستخدام صور الأقمار الصناعية حصرًا، حيث تم تحديد ما يقارب 17,043 مبنى متضررًا، منها نحو 4,492 مبنى مدمّر بالكامل [unosat.org]
وتُعد هذه القدرة أمرًا حيويًا، إذ إنه من دون بيانات أساسية موثوقة حول ما دُمّر وأين، فقد تُخصَّص موارد إعادة الإعمار بشكل غير صحيح، أو تُترك فجوات كبيرة دون معالجة.
ولكن يجب توخي الحذر عند الاعتماد حصريًا على بيانات الأقمار الصناعية لتقييم أضرار ما بعد الحرب. تُمثل تقييمات الأقمار الصناعية التي تُقدمها UNOSAT أحد أكثر مصادر المعلومات الجغرافية المكانية شمولًا والمتاحة حاليًا لبيئات ما بعد النزاع، ومع ذلك يجب تقييم موثوقية هذه البيانات تقييمًا نقديًا قبل استخدامها كركيزة أساسية للأدلة في قرارات السياسات أو الاستثمارات الرئيسية؛ إذ تُسلط دراسة حديثة _أجرتها جامعة تكساس_ A&M (الآن تراه، والآن لا تراه: اتفاقية تصنيف الأضرار في صور الطائرات بدون طيار والأقمار الصناعية بعد الكوارث arXiv:2505.08117v1، 2025) الضوء على قيود الاعتماد حصريًا على صور الأقمار الصناعية، حيث قارن البحث تقييمات الطائرات بدون طيار والأقمار الصناعية لأضرار المباني بعد أعاصير إيان ومايكل وهارفي، والتي شملت أكثر من 15,000 مبنى فأظهرت النتائج اختلافًا بنسبة 29% بين مصدري التصوير، وكشفت أن التحليلات القائمة على الأقمار الصناعية قللت بشكل منهجي من قيمة الأضرار بأكثر من 20% في المتوسط.
توفر بيانات UNOSAT نظرة عامة قيّمة على المستوى الكلي للأضرار، إلا أنه ينبغي استكمالها بصور الطائرات بدون طيار كما هو موضح بالشكل 3، والمسوحات المحلية، ونماذج متقدمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي وقادرة على دمج مدخلات متعددة المصادر. ومن شأن نظام التقييم المشترك هذا أن يعزز دقة وشفافية واستدامة تخطيط إعادة الإعمار، مما يضمن استناد القرارات إلى التمثيل الأكثر موثوقية لظروف الأضرار الفعلية على أرض الواقع.
تخطيط إعادة الإعمار
تُستخدم الصور عالية الدقة كـ“خريطة أساسية” لخطط إعادة الإعمار، إذ تُظهر الأحياء التي تحتاج إلى تدخل عاجل، وتوضح الروابط المقطوعة في البنية التحتية، وتساعد على تحسين توزيع الموارد (كالعمالة، والأموال، والمواد).
فعلى سبيل المثال، في أوكرانيا يتم دمج بيانات الطائرات المُسيّرة مع مصادر أخرى ضمن منصات رقمية وأقمار صناعية؛ لتحديد أولويات إعادة بناء شبكات النقل والمرافق العامة.
أما في سوريا، فإن ذلك يعني رسم خرائط للطرق المتضررة، وتحديد الجسور المنهارة، ومواقع المستشفيات والمدارس التي تحتاج إلى ترميم، وربط هذه البيانات بـ ميزانيات وخطط زمنية واضحة لإعادة الإعمار. [Corey Scher, Jamon Van Den Hoek]
وبطريقة مشابهة، استخدم برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat) بعد الصراع في مدينة الموصل بالعراق طائراتٍ صغيرةً تحلّق على ارتفاع منخفض؛ لالتقاط صور جوية تفصيلية للمدينة القديمة، ثم دمجت الصور في خرائط تُظهر المنازل التي دُمّرت بالكامل وتلك التي يمكن إصلاحها، وقد ساعدت هذه النتائج السلطات المحلية في تحديد أولويات إعادة الإعمار، وتوزيع الموارد بشكل فعّال.
كما يمكن لصور الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة تحديد الأراضي الزراعية المهجورة أو المدمّرة، وأضرار أنظمة الري، وملوحة التربة أو التلوث بالألغام الأرضية.
إزالة الألغام والكشف عن المخاطر
تحتوي مناطق واسعة من سوريا بعد الحرب على ذخائر غير منفجرة وألغام ومخاطر أخرى.
وقد تم نشر تقرير مفصل حول الكشف عن الألغام بالمجلس العلمي السوري، وتطبيق هذه التقنية يساهم في عودة المدنيين والمزارعين والعاملين في إعادة الإعمار بطريقة أكثر أمانًا.
مراقبة التقدّم وضمان الشفافية
من أهم ميزات الصور الجغرافية المكانية أنها تتيح المقارنة “قبل وبعد” عبر الزمن.
فمرور الطائرات المُسيّرة أو الأقمار الصناعية بشكل متكرر يمكن أن يُستخدم لمتابعة تقدّم أعمال الإعمار، والتحقق مما إذا كانت الأموال المخصصة تصل فعلًا إلى المناطق المتضررة، وتوفير شفافية بصرية للرأي العام، والمانحين، ومنظمات المجتمع المدني، وهذا يعزز الثقة والمساءلة، ويساعد على منع الفساد أو سوء استخدام الموارد.
تنسيق العمل الإنساني واستعادة الخدمات
إن وجود خرائط دقيقة للبنية التحتية المدمَّرة أو المنقطعة (مثل الكهرباء، والمياه، والاتصالات) يساعد المنظمات الإنسانية في تحديد أولويات التدخل واستعادة الخدمات الأساسية.
ويمكن لبيانات الطائرات المُسيّرة والأقمار الصناعية أن تحدد مناطق الدمار الكبرى، وتجمعات السكان النازحين، وطرق المساعدات الإنسانية.
وفي سوريا، يمكن لمثل هذا التخطيط أن يسهم في استعادة الاتصال الرقمي، وهو عامل أساسي في دعم التعليم، والإدارة، والتعافي الاقتصادي.
التوثيق من أجل العدالة وإعادة بناء التراث الثقافي
توفر أرشيفات الصور الجوية والفضائية سجلات موضوعية لعمليات تدمير البنية التحتية المدنية والمواقع التراثية. وتُعتبر هذه السجلات ضرورية من أجل المساءلة القانونية، والتعويضات، وحفظ التراث الثقافي. فعلى سبيل المثال، قامت منظمة اليونسكو (UNESCO)، وبرنامج الأمم المتحدة للتدريب والأبحاث (UNOSAT) بتوثيق الأضرار التي لحقت بالمواقع التاريخية في سوريا، باستخدام تحليل الصور الفضائية.
أمثلة لاستخدامات سابقة
في سوريا
في المراكز الحضرية مثل حلب ودمشق، وُثِّق الدمار واسع النطاق الذي لحق بالمباني السكنية والمدارس والمستشفيات والطرق والجسور عبر صور الأقمار الصناعية دون استخدام الطائرات المسيرة.
فعلى سبيل المثال، يعتمد “أطلس الأضرار” الخاص بمدينة حلب على صور الأقمار الصناعية؛ لتصنيف المباني إلى مدمّرة كليًا، ومتضرّرة بشدة أو متضرّرة بشكل متوسط.
ويمكن تعميم هذه التقنية ليس فقط على إعادة بناء المنازل، بل أيضًا في استعادة الترابط الهيكلي (كالطرق وشبكات الكهرباء)، والخدمات العامة (كالمدارس والمستشفيات)، والنسيج العمراني للمدن، وفي تعافي البنية التحتية الرقمية (الاتصالات، الوصول إلى الإنترنت، الخدمات الإدارية الإلكترونية)، حيث تُستخدم صور الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة للمساعدة في تحديد المواقع التي تفتقر إلى البنية التحتية الرقمية المادية أو التي تعرّضت للتدمير (مثل الهوائيات، كابلات الألياف الضوئية، ونقاط الاتصال الريفية)؛ مما يمكّن من تطوير استراتيجيات رقمية موجهة لإعادة الإعمار.
ومن الأمثلة البارزة على ذلك دراسة لعدة باحثين (2021)، طورت نماذج تعلّم آلي قادرة على الكشف التلقائي عن أضرار المباني، وتقدير مداها بناءً على صور أقمار صناعية عالية الدقة من مناطق نزاع مختلفة، بما في ذلك سوريا، وتوضح نتائج الدراسة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحول جذريًا عملية التقييم بعد الحرب من خلال تمكين القياسات الموضوعية والشاملة والقابلة للتكرار للدمار خاصة عندما لا تكون التحقيقات الميدانية في الموقع ممكنة.
في أوكرانيا
في أوكرانيا، أصبحت التقنيات الجغرافية المكانية الآن أساسية لتقييم الأضرار، وتخطيط إعادة الإعمار، وعمليات إزالة الألغام.
وقد أتاحت المنصات مفتوحة المصدر التي تعتمد على صور الرادار عبر الأقمار الصناعية (SAR) -الموثقة جيدًا في التقارير الأكاديمية والتقنية الحديثة- الكشف المتسق والقابل للتطوير عن الأضرار على مستوى المباني في مناطق واسعة متضررة من الحرب.
في غزة
حلل مركز بيانات الاستجابة للطوارئ في غزة (UNOSAT) صور الأقمار الصناعية من أكثر من خمس عشرة نقطة زمنية بين مايو 2023 ويوليو 2025؛ لرسم خريطة للدمار في قطاع غزة، وباستخدام التحليل بمساعدة الذكاء الاصطناعي، تم تحديد ما يقرب من 193,000 مبنى متضرر، منها أكثر من 102,000 مبنى مدمرًا بالكامل. تتيح هذه الطريقة إجراء تقييمات سريعة وشاملة للتخطيط الإنساني، ولكن لم يتم التحقق من النتائج ميدانيًا، وهو ما يمثل نقطة ضعف بالغة.
وبينما يمكن أن تُشكل هذه الطريقة نموذجًا قيّمًا لإعادة الإعمار في سوريا، ينبغي أن تُدعم بصور الطائرات بدون طيار، والمسوحات المحلية لبناء أساس موثوق ومستدام لاتخاذ القرارات.
دور الطائرات بدون طيار في إعادة بناء التراث التاريخي
هناك العديد من الأمثلة التي تُثبت أن الطائرات بدون طيار يُمكن أن تلعب دورًا حاسمًا في جهود إعادة بناء الأماكن الثقافية. على سبيل المثال، لعبت الطائرات بدون طيار دورًا حاسمًا في كل من الاستجابة لحالات الطوارئ، وإعادة ترميم كاتدرائية نوتردام في باريس بعد حريقها المدمر عام 2019.
ومن الأمثلة الأخرى ترميم كنيسة ستوكهولم الكبرى (2020-2023)، وقد استُخدمت الطائرات بدون طيار لإحداث نقلة نوعية في تقييم وحفظ المعالم التاريخية، ومن خلال إنشاء خرائط تصويرية تفصيلية لأبراج الكنيسة التي يبلغ ارتفاعها 60 مترًا، تمكنت فرق المشروع من تقييم الأضرار، وتقدير تكاليف الترميم وتقليل الحاجة إلى السقالات المبكرة؛ مما قلل من المخاطر والوقت والتكلفة، كما عزز هذا النهج جودة التوثيق، حيث أنتج نماذج رقمية عالية الدقة بدلاً من السجلات المكتوبة أو الفوتوغرافية التقليدية.
يمكن تطبيق هذه التقنيات في إعادة إعمار سوريا، وخاصةً للمواقع التراثية الشهيرة مثل تدمر، وقلعة حلب، وقلعة الحصن.
في هذا السياق، يمكن للطائرات المسيّرة أن تلعب دورًا حيويًا في توثيق الظروف الإنشائية بأمان، وتوجيه أولويات الترميم، ودعم تخطيط دقيق للحفظ قائم على البيانات، وإن دمج التصوير الفوتوغرامتري المعتمد على الطائرات المسيّرة مع صور الأقمار الصناعية وتحليلات الذكاء الاصطناعي لن يُحسّن الدقة فحسب، بل سيساهم أيضًا في الحفاظ المستدام على الهوية الثقافية، والتراث المعماري لسوريا.
الحل المقترح
نقترح في هذا التقرير إجراء مشروع تجريبي لتقييم الأضرار، باستخدام تقنيات تدمج صور المسيرات وصور الأقمار الصناعية، بشكل مشابه لما تم تطبيقه في جوبر وعربين بدمشق باستخدام صور الأقمار الصناعية فقط، كما فعل مشروع UNOSAT عام 2016.
سوف يساهم هذا التطبيق في إنتاج بيانات أفضل وأشمل ذات دقة أعلى، ويحافظ على سلامة الكوادر من خلال تقليل المخاطر، ويتم إنجازه في وقت أسرع من الطرق التقليدية التي تعتمد على فرق التحري، والتوثيق، والمسح على أرض الميدان.
لقد تم إجراء دراسة مشابهة في نيجيريا لمقارنة المسح التصويري الجوي باستخدام المسيرات عن بعد، والمسح الأرضي باستخدام أجهزة القياس، وكانت النتيجة توفير أكثر من 50% من التكاليف في المسح الجوي مقارنة بالمسح الأرضي، ولكن تمت المقارنة في بيئة مختلفة، حيث أجريت الدراسة على مشروع بناء مدرسة ثانوية في مدينة أفيجيو.
بعد اعتماد هذا المشروع التجريبي كنموذج أول، يمكن تعميمه على مناطق أخرى مثل:
- حمص (منطقة: بابا عمرو، والخالدية)
- حلب (منطقة: الصاخور، ومساكن هنانو)
- الرقة (منطقة: الرميلة، والمشلب)
- دير الزور (منطقة: الصناعة، والرشدية، والجبيلة).
المخاطر والتحديات والاعتبارات
1. الجوانب التقنية والعملية
يُمثل الوصول إلى صور الأقمار الصناعية عالية الدقة أو استخدام الطائرات بدون طيار تحديًا رئيسيًا. ويعود ذلك إلى تكاليف الاستثمار، والقيود القانونية والطيران، وضوابط الاستيراد، وعدم كفاية البنية التحتية المحلية.
علاوة على ذلك، تُشكل فجوات البيانات الناتجة عن الغطاء السحابي، أو الصور القديمة، أو المناطق التي يصعب الوصول إليها؛ عقبة كبيرة أمام إنشاء خرائط دقيقة وفي الوقت المناسب.
وهناك مشكلة أخرى تتعلق بنقص تبادل البيانات المؤسسي: فبدون التنسيق بين الجهات المعنية، تبقى مجموعات الصور والبيانات معزولة، ولا يمكن استخدامها بفعالية، إضافةً إلى ذلك، لا تمتلك العديد من المؤسسات السورية حتى الآن كوادر مؤهلة بما يكفي في مجالات تحليل البيانات الجغرافية المكانية، والذكاء الاصطناعي لشرح البيانات، أو تسيير الطائرات بدون طيار في المجال المدني؛ مما من الاستخدام العملي لهذه التقنيات محدودًا بشدة.
ويمكن تجنب ذلك عبر تطبيق التوصيات التي ستذكر لاحقًا في هذا التقرير.
2. المخاطر الأمنية والاعتبارات الأخلاقية
يمكن أن تكشف البيانات الجغرافية المكانية والصور عالية الدقة عن بنى تحتية حساسة مثل الملاجئ، وخطوط الأنابيب، والمرافق الحكومية أو الممتلكات خاصة أو المعلومات الحساسة، وهذا يُثير قضايا تتعلق بحماية البيانات، وقد يُساء استخدامها.
ويمكن تقليل هذه المخاطر من خلال لوائح واضحة تتعلق بمراقبة المجال الجوي للطائرات بدون طيار، واستيراد وتصدير معدات الاستشعار عن بُعد، وسياسات تبادل البيانات، بالإضافة إلى تصاريح تشغيل الطائرات بدون طيار.
كما يلزم تحقيق توازن بين الشفافية والأمن؛ لضمان وصول الجمهور إلى المعلومات من جهة، وحماية الفئات الضعيفة مثل النازحين داخليًا أو العائدين من جهة أخرى.
علاوة على ذلك، يجب استخدام البيانات بشكل أخلاقي، أي لأغراض التوثيق وإعادة الإعمار فقط، دون إعادة صدمات الضحايا أو خلق انطباع بالمراقبة المستمرة.
وهناك خطر آخر يتمثل في الاعتماد المفرط على مزودي البيانات التجاريين أو الأجانب، مما قد يؤدي إلى نقاط ضعف استراتيجية على سبيل المثال، بسبب تقييد الوصول إلى البيانات.
وقد أظهرت الحرب في أوكرانيا مدى هشاشة بعض خدمات الفضاء، والأقمار الصناعية في أوقات الأزمات.
ولتَعزيز الملكية المحلية والاستدامة طويلة الأمد، من الضروري تمكين المهندسين ومخططي المدن والمجتمعات السورية من العمل بشكل مستقل مع بيانات الطائرات بدون طيار، والأقمار الصناعية، واستخدامها في مشاريعهم.
ومن الجدير بالذكر أنه يمكن تجنب وتخفيف هذه المخاطر بتطبيق التوصيات المذكورة في نهاية هذا التقرير.
التوصيات :
- إنشاء وحدة وطنية للتقنيات الجيومكانية سواءً كانت مستقلة أو تابعة لوزارة الأشغال العامة والإسكان أو أية وزارة ذات صلة، أمرًا ضروريًا لدعم عملية إعادة الإعمار، وتكون هذه الوحدة مسؤولة عن تطبيق التقنيات الجيومكانية في جميع أنحاء سوريا.
كما ينبغي أيضًا وضع معايير ملزمة للدقة المكانية وجودة الصور وشفافية البيانات الوصفية؛ لضمان الثقة والمصداقية في استخدام المعلومات الجغرافية، وهنا يستطيع المجلس العلمي السوري بكوادره الوطنية ذات الخبرات العالمية أن يدعم هذه الوحدة، ويساهم في إنجاح مهمتها بدعم عملية إعادة الإعمار. - إنشاء مستودع مفتوح للبيانات الجغرافية المكانية خطوة أساسية لبناء منصة وطنية، تجمع وتخزن وتشارك صور الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة، بالإضافة إلى التحليلات المرافقة (مثل خرائط الأضرار، وتقدّم الإعمار، وتقييم المخاطر)، ويمكن تنفيذ هذه المبادرة من خلال تحالف بين القطاعين العام والخاص، بإشراف وزارة الأشغال العامة والإسكان، وبالشراكة مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والجامعات السورية.
- يُنصح أن يكون بناء القدرات الوطنية في التحليل الجيومكاني محورًا أساسيًا في استراتيجية إعادة إعمار سوريا، من خلال تدريب الكوادر على استخدام برامج نظم المعلومات الجغرافية، والمسح الجوي، وتشغيل الطائرات المسيّرة، واستخدام تقنيات الذكاء الصناعي.
- يُوصى بإنشاء منصة وطنية موحّدة متعددة المصادر، تسمح بدمج كل البيانات المكانية في لوحة متابعة وطنية واحدة، وإنشاء معايير واضحة لأصالة الصور وحوكمة البيانات؛ للحفاظ على الثقة العامة في المعلومات الجيومكانية؛ حيث أن وجود إطار حوكمة قوي للبيانات يمنع نشر المعلومات المضللة، ويضمن سلامة البيانات في السياقات القانونية والإنسانية، ويمكّن سوريا من الاندماج في الشبكات العالمية للبيانات، ويحدد هذا الإطار قواعد ملكية البيانات، موضحًا أي الجهات تمتلك أو تدير أو تشارك مجموعات البيانات المختلفة.
ويُنصح بتطوير إطار تشريعي أخلاقي متوازن، يتيح الاستفادة العامة من البيانات الجومكانية؛ لتحقيق الشفافية والكفاءة، دون التسبب بأضرار أو المساس بسلامة المواطنين أو خصوصيتهم. - كذلك يجب ألا تقتصر إعادة الإعمار على المدن وحدها، بل ينبغي أن تشمل التكامل بين البنية التحتية الحضرية، والاتصال الرقمي، وسبل العيش الريفية.
- ختامًا يُوصى بإصدار تقرير رسمي عن حالة إعادة الإعمار بشكل ربع سنوي أو سنوي، يتضمن صورًا فضائية وجوية، ومؤشرات للتقدم، وتحليلًا وصفيًا شاملًا؛ لتعزيز الشفافية التي هي أساس الثقة العامة؛ ولتشجيع مشاركة المواطنين، من خلال تمكين السوريين من متابعة التقدم بصريًا في مدنهم ومناطقهم.
الخلاصة :
الخلاصة أن عملية إعادة إعمار سوريا تمثل واحدة من أكثر تحديات التعافي تعقيدًا في التاريخ الحديث.
وفي هذا السياق، لا تُعدّ تقنيات الطائرات المسيّرة وصور الأقمار الصناعية مجرد أدوات مساعدة، بل هي عناصر أساسية لإعادة الإعمار بكفاءة وشفافية واستدامة.
فمن خلال رسم خريطة الدمار، وتوجيه التخطيط المستهدف، ومراقبة التقدم، ودعم المساءلة، يمكن لهذه التقنيات أن تحوّل الدمار الواسع إلى عملية تعافٍ منظّمة ومستدامة.
لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي؛ فالنجاح يعتمد على الملكية المحلية، وبناء القدرات، وحوكمة سليمة، وضمانات أخلاقية، وأطر سياسية واضحة.
ولكي ينتقل المجتمع السوري من الصراع إلى النمو البنّاء، يجب أن تُدمج التكنولوجيا الجيومكانية في عملية إعادة إعمار شاملة، وشفافة، وموجهة نحو المستقبل.
وهنا يستطيع المجلس العلمي السوري بخبراته الوطنية ذات المستوى العالمي المتميز المساهمة بشكل فعال؛ ليكون شريكًا استراتيجيًا للمؤسسات والهيئات الوطنية المعنية.
المؤلفون:
الدكتور باسم عرار: أكاديمي في جامعة درسدن التقنية وباحث في تقنيات الجيل السادس وتطبيقات تكنولوجيا الكم، حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة برلين التقنية.
الدكتور جوزيف جورج شنكجي: دكتوراه في هندسة التقانات الحيوية، ومحاضر في جامعة حلب، وباحث علمي تطبيقي، وناشط في مجال دمج التكنولوجيا في التعليم والتحول الرقمي
المهندس علي عجوب: مهندس طبوغرافيا، خريج جامعة حلب، وخبير في نظم المعلومات الجغرافية في مؤسسة الاغاخان في سوريا، ومهندس موقع بمشروع ترميم المنازل المتضررة من الزلزال في مدينة سلمية وريفها، ومحاضر في جامعة حماه كلية الهندسة المعمارية. وطالب ماجستير في الجامعة الافتراضية ببرنامج BIMM.
المهندس محمد الناصر: مهندس مساحة ومعلوماتية جيومكانية، والمنسق العام للمشاريع في المجلس الجيومكاني لبلديات العاصمة السويدية ستوكهولم، وعضو مجلس إدارة نقابة المهندسين السويديين في العاصمة ستوكهولم. يمتلك خبرة في مجال المساحة التصويرية باستخدام المسيرات عن بعد، وإنتاج الخرائط الحكومية الحضرية. حصل على لقب أبرز مؤثر في أنظمة المعلومات الجغرافية على موقع لينكدإن لعام 2024، وساهم في الرقم القياسي لأكبر ألبوم صور جوية بموسوعة غينيس لعام 2022.
التدقيق العلمي:
د. م. محمد علي سمونة
التدقيق اللغوي:
علياء جديني
المراجع:
Ivancik, R., Necas, P. (2022). Theoretical and terminological view of unmanned aircraft. ResearchGate.
https://www.researchgate.net/publication/363427750_Theoretical_and_Terminological_View_of_Unmanned_AircraftKyrkans Fastighetssamverkan Stockholm AB. (2022). Storkyrkan. KFS.https://www.kfss.se/portfolio/storkyrkan/
Manzini, T., Perali, P., Tripathi, J., & Murphy, R. (2025). Now you see it, Now you don’t: Damage label agreement in drone & satellite post-disaster imagery. FAccT ’25: Proceedings of the 2025 ACM Conference on Fairness, Accountability, and Transparency, Pages 1998 – 2008, https://doi.org/10.1145/3715275.3732135
Gupta, R., Goodman, B., Patel, N., Hosfelt, R., Sajeev, S., Heim, E., Doshi, J., Lucas, K., Choset, H., & Gaston, M. (2019). Creating xBD: A dataset for assessing building damage from satellite imagery. In Proceedings of the IEEE/CVF Conference on Computer Vision and Pattern Recognition Workshops (pp. 10–17).
Iprosurv. (2025). Drone inspection of a 15-storey tower block for EWI concerns. https://iprosurv.com/ips_case_studies/drone-inspection-of-a-15-storey-tower-block-for-ewi-concerns/
United Nations Satellite Centre (UNOSAT). (2025). Gaza emergency response data hub. https://gaza-unosat.hub.arcgis.com/
AI Turns Drone Footage Into Disaster Response Maps In Minutes. (2025, July 28). Texas A&M University. https://stories.tamu.edu/news/2025/07/28/ai-turns-drone-footage-into-disaster-response-maps-in-minutes/
[Yang, Xu, Song, & Yu, 2023] Data-driven structural damage monitoring and assessment based on unmanned aerial vehicle images: a survey, https://doi.org/10.1080/17538947.2025.2528617
[unosat.org] Damage assessment of Jobar neighborhood and Irbin city, Damascus governorate, Syria, UNITAR – UNOSAT, PUBLISHED:17 Jan 2017, https://unosat.org/products/1132
[Corey Scher, Jamon Van Den Hoek] Nationwide conflict damage mapping with interferometric synthetic aperture radar: A study of the 2022 Russia–Ukraine conflict, Science of Remote Sensing, Volume 11, 2025, 100217, ISSN 2666-0172, https://doi.org/10.1016/j.srs.2025.100217
[humanitarianlibrary] SYRIAN CITIES DAMAGE ATLAS EIGHT YEAR ANNIVERSARY OF THE SYRIAN CIVIL WAR Thematic assessment of satellite identified damage, https://www.humanitarianlibrary.org/sites/default/files/2020/10/reach_thematic_assessment_syrian_cities_damage_atlas_march_2019_reduced_file_size_1.pdf
[Mueller, H., Groeger, A., Hersh, J., & Serrat, J. (2021)] Monitoring war destruction from space using machine learning. PNAS, 118(23), e2025400118. https://doi.org/10.1073/pnas.2025400118
Geospatial technologies in post-war reconstruction: challenges and innovations in Ukraine, V. Nazarenko, A. Martyn, https://doaj.org/article/a3ff0cb85cab4469a93e66c1c78ba41c
Ibrahim , A., Afonja, Y., Omale, D., Omale, D., Idoko, I., Idoko, I., Alagbe , A., Oduyemi , A., Akintuyi , O., Ibrahim , R., & Azeez , Z. . (2025). Assessment of Unmanned Aerial Vehicle Versus Terrestrial Method of Topographic Surveying. Environmental Technology and Science Journal, 16(1), 89–101. https://doi.org/10.4314/etsj.v16i1.9