نحو تعزيز منظومة الجودة والاعتمادية في الجامعات السورية:
دعم مسيرة تطوير التعليم العالي
الملخّص التنفيذي
يشهد قطاع التعليم العالي في سوريا جهودًا متواصلة لتطوير جودة البرامج الدراسية وتعزيز مواءمتها مع احتياجات المجتمع وسوق العمل. وفي إطار هذه المبادرات القائمة تبرز أهمية وجود إطار وطني شامل داعم لتطوير الآليات المؤسسية لتحقيق التطبيق المنهجي لمعايير الجودة في مختلف مؤسسات التعليم العالي. ممّا يساهم في دعم استدامة تطوير النظام الأكاديمي السوري وكفاءته المؤسسية. ويعد تعزيز منظومة إدارة الجودة والاعتمادية في الجامعات السورية، بالاستفادة من المعايير الدولية الحديثة في هذا المجال بمثابة الحجر الأساس للانطلاق في هذا المشروع الوطني.
يهدف هذا التقرير إلى التركيز على أهمية ترسيخ ثقافة التحسين المستمر، وتعزيز الاعتماد على البيانات في عمليات صنع القرار، وتطوير القدرات المؤسسية في إدارة الجودة وتحديث مكاتب ضمان الجودة في كل الجامعات كخطوة أساسية نحو تحسين مخرجات التعليم العالي وربط دور الجامعات في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
الكلمات المفتاحية:
إدارة الجودة في التعليم العالي، ضمان الجودة، الاعتماد الأكاديمي، الحوكمة الجامعية، تقييم البرامج الدراسية، المؤشّرات التعليمية، التحوّل الرقمي ، الأكاديميين في المهجر، سوق العمل.
- المُقدّمة: واقع إدارة الجودة في الجامعات السورية
تواجه يشكِّل التعليم العالي أحد أهم محركات التنمية في المجتمعات الحديثة، حيث يُسهم في إعداد الكفاءات البشرية وتعزيز الابتكار وتطوير المعرفة. وتلعب الجامعات دورًا محورياً في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال إعداد خريجين يمتلكون الأدوات والمعرفة اللازمة للمشاركة في سوق العمل.
في العقود الأخيرة، شهد التعليم العالي على المستوى العالمي تحوّلاً مُتزايداً نحو تبنّي أنظمة إدارة الجودة كأداة أساسية لضمان جودة البرامج التعليمية وتحسين مخرجات التعليم. وتعتمد هذه الأنظمة على مجموعة من السياسات والإجراءات التي تهدف إلى تقييم البرامج الدراسية بشكل دوري وتطويرها استنادًا إلى البيانات والمؤشرات التعليمية. يُذكر أنّ الهيئة الوطنية للجودة والاعتمادية في التعليم العالي قد أحدثت بموجب القانون رقم (33) لعام 2021 الصادر بتاريخ 16/12/2021، وذلك استنادًا إلى أحكام الدستور وموافقة مجلس الشعب، وقد جاءت هذه الهيئة لتحلََّ محل مركز القياس والتقويم في التعليم العالي، حيث توسّعت مهامها لتشمل تطوير منظومة شاملة لضمان الجودة والاعتماد الأكاديمي في مؤسسات التعليم العالي. وقد تم خلال السنوات الأخيرة تعزيز هذا الإطار من خلال تطوير الأدلة والمعايير الوطنية، بما يُسهم في دعم عمليات التقييم والتحسين المستمر. تشير المبادرات الأخيرة في قطاع التعليم العالي السوري إلى بدء توجه رسمي نحو تعزيز نظم إدارة الجودة والاعتمادية في الجامعات. فقد عملت الهيئة الوطنية للجودة والاعتمادية في التعليم العالي، بالتعاون مع عدد من الجامعات السورية: على سبيل المثال جامعة إدلب، على تنفيذ ورشات تدريبية وبرامج تأهيليّة تهدف إلى نشر ثقافة الجودة وتطبيق معايير الاعتماد الأكاديمي. وتُعدُّ هذه الخطوات مؤشّرًا على اهتمام الجهات الحكومية بتطوير مؤسّسات التعليم العالي وتحسين أدائها الأكاديمي والإداري بما يتوافق مع المعايير الوطنية للجودة.
في هذا السياق، أصبح ضمان الجودة جزءًا أساسيًا من إدارة المؤسسات الجامعية، حيثُ يساعد تطوير التقنيّة المؤسساتية على تقييم الواقع التعليمي على الحقيقة بما يضمن تحسين جودة التدريس والبرامج الدراسية وفرص نجاح الطلاب ومحاربة الفساد التعليمي. تشيرالممارسات التطبيقية إلى وجود تفاوت بين المؤسسات التعليمية العالمية والسورية في مستوى توظيف أدوات ضمان الجودة وآلياتها. إذ تختلف درجة الاعتماد على أدوات مثل استبيانات الطلبة، واستبيانات الخريجين، واستبيانات المقررات الدراسية، بالإضافة إلى تفاوت استخدام المؤشرات الكمية المرتبطة بالأداء الأكاديمي مثل معدّلات النجاح والتخرّج والانقطاع عن الدراسة. ويُلاحظ كذلك تفاوت في مستوى توحيد وثائق البرامج الدراسية (مثل توصيف البرامج والمقررات ومخرجات التعلم)، مما يؤثّر على قابلية المقارنة بين البرامج الأكاديمية وعلى عمليات التقييم الداخلي والخارجي.
وفي سياق أوسع، أصبحت مؤشِّرات الأداء المؤسّسي والتصنيفات الجامعية الدولية جزءًا من أدوات قياس وتقييم النظم الجامعية عالميًا؛ إذ تعتمد هذه التصنيفات على مؤشرات تشمل البحث العلمي وعدد الاستشهادات ومستوى التعاون الدولي وجودة التعليم والسمعة الأكاديمية. وفي هذا الإطار، يمكن ملاحظة أنّ درجة ظهور الجامعات السورية في هذه التصنيفات ما تزال محدودة نسبيًا، حيث تظهر بعض الجامعات ضمن تصنيفات متأخّرة في الترتيب الجامعي العالمي لعام ٢٠٢٦، على سبيل المثال :
– جامعة دمشق في المرتبة ٢٥٦٥
ـ جامعة اللاذقية في المرتبة ٤٨٣١
ـ جامعة حلب في المرتبة ٥٤٠٣
ـ الجامعة الافتراضية السورية في المرتبة ٨٢٣٩
ـ جامعة الفرات في المرتبة ١٨٨١٧
وهذا التصنيف يرتبط بعوامل متعدّدة تشمل آليات توثيق الإنتاج العلمي، ومستوى النشر في المجلات المفهرسة دوليًا، ودرجة الاندماج في شبكات البحث العلمي العالمية. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنّ التصنيفات الدولية لا تعكس بشكل كامل جميع أبعاد جودة التعليم العالي، إذ تتأثّر بعوامل منهجية مثل اللغة العلمية السائدة، وبنية قواعد البيانات البحثية، وأنماط الإنتاج الأكاديمي، مما يجعل تفسير نتائجها بحاجة إلى قراءة سياقية تراعي خصوصية النظم الوطنية.
وبناءً عليه، فإنّ تطوير منظومة ضمان الجودة في التعليم العالي، وتعزيز إدارة البيانات الأكاديميّة والبحثيّة، وتوسيع آليات التوثيق العلمي، بالإضافة إلى تعزيز التعاون الدولي، يمكن أن يسهم في تحسين الأداء المؤسسي ورفع مستوى الظهور الأكاديمي للجامعات السورية في السياق العالمي، إلى جانب دعم اتخاذ القرار القائم على البيانات داخل المؤسسات الجامعية.
ومن هنا تبرز الحاجة المُلِحة إلى تطوير نظام جامعي متنوّع الجودة في الجامعات العامة.
- التجارب الدولية في إدارة جودة التعليم
يشير مفهوم إدارة الجودة في التعليم العالي الذي طُوِّر في الجامعات الدولية كما في ألمانيا وبريطانيا إلى مجموعة من السياسات والإجراءات التي تهدف إلى ضمان الجودة العملية التعليمية وتحسينها بشكل مستمر. ويعتمد هذا المفهوم على مبدأ أساسي يتمثّل في التحسين المستمر للأداء الأكاديمي والإداري داخل المؤسّسات التعليمية.
تتضمن أنظمة إدارة الجودة عادةً مجموعة من العناصرالأساسية، مثل تحديد أهداف البرامج الدراسية بشكل واضح، وتطوير آليات تقييم منتظمة للبرامج التعليمية، وجمع البيانات المتعلقة بأداء الطلاب وجودة التدريس، إضافة إلى استخدام نتائج التقييم في تطوير البرامج الدراسية، حيث تحلّل مؤشرات مثل معدلات النجاح والتخرج ومدة الدراسة ومستوى رضا الطلاب من أجل تحديد نقاط القوة ومجالات التحسين في البرامج التعليمية. كما تؤكّد أنظمة الجودة الحديثة على أهمية مشاركة مختلف الأطراف المعنية في عملية التقييم، بما في ذلك أعضاء هيئة التدريس والطلاب والخريجين وأصحاب العمل.
2.1 نموذج جامعة هايدلبيرغ الألمانية في إدارة وضمان الجودة
طوّرت العديد من الدول مثل ألمانيا خلال العقود الأخيرة أنظمة متقدمة لضمان الجودة في التعليم العالي. وتعتمد هذه الأنظمة على مجموعة من المبادئ المشتركة التي تهدف إلى تحسين جودة التعليم وتعزيز الشفافية والمساءلة داخل المؤسسات التعليمية. ومن أبرزملامح هذه الأنظمة وجودُ إطارٍ وطني لضمان الجودة في التعليم العالي، يتخلّلها تطبيق معايير واضحة لتقييم البرامج الدراسية من خلال استخدام أدوات تقييم متنوعة لجمع البيانات وإجراء مراجعات دورية للبرامج الدراسيةـ وكذلك إشراك مختلف الأطراف المعنية في عملية التقييم. تُجرى عملية المراجعة كل ثماني سنوات، وتُقدَّم توصيات وتعليمات للاختصاصات الدراسية التي خضعت للتقييم. ثم يُمنح اعتماد جديد للاختصاصات لمدة ثماني سنوات أخرى إذا استوفت جميع متطلبات ضمان الجودة. وتُجرى مراجعة متابعة بعد أربع سنوات من المراجعة الشاملة لتقييم مدى تطبيق برامج الشهادات للتوصيات والتعليمات.
وقد أثبتت هذه الأنظمة فعاليتها في تحسين جودة التعليم العالي وتعزيز قدرة الجامعات على الاستجابة للتغيرات في سوق العمل. تعتمد أنظمة إدارة الجودة الحديثة على مجموعة من الأدوات التي تستخدم لتقييم مختلف جوانب العملية التعليمية.
ومن أهم هذه الأدوات:
- استبيانات تقييم المقررات: تستخدم هذه الاستبيانات لجمع آراء الطلاب حول جودة التدريس في كل مادة وتنظيم المقررات الدراسية وجاهزية المحتوى العلمي لتغطية المعلومات المطلوبة للمادة التعليمية.
- استبيانات البرامج الدراسية: تركّز هذه الاستبيانات على تقييم البرنامج الدراسي بشكل عام، بما في ذلك أهداف البرنامج وهيكل المناهج الدراسية والتقانات المستخدمة، بالإضافة إلى استجابة القسم لمتطلبات الطلاب والطالبات.
- استبيانات الخريجين: توفّر هذه الاستبيانات معلومات مهمة حول مدى استفادة الخريجين من البرامج الدراسية ومدى توافقها مع احتياجات سوق العمل.
- المؤشرات التعليمية: تشمل المؤشرات التعليمية مجموعة من البيانات مثل معدلات النجاح والتخرج ومدة الدراسة ومعدلات الانقطاع عن الدراسة والنظر في مسبباتها.
- تحليل القدرة الاستيعابية التعليمية: تحليل القدرة التدريسية في الجامعات هو عملية تقييم كمية وجودة الموارد الأكاديمية المتاحة لتقديم التعليم للطلبة. يهدف هذا التحليل إلى تحديد مدى قدرة الجامعة على استيعاب الطلاب بكفاءة دون التأثير على جودة التعليم.
- تحليل هذه المؤشرات يساعد على تقييم أداء البرامج التعليمية وتحديد المجالات التي تحتاج إلى تطوير.
2.2. نموذج المملكة المتحدة في ضمان جودة التعليم العالي
تُعدّ المملكة المتحدة من أكثر الأنظمة تطوراً وتأثيراً في مجال ضمان جودة التعليم العالي على المستوى الدولي، وقد شكّل نموذجها مرجعاً لكثير من دول العالم في بناء منظوماتها الوطنية لضمان الجودة.. ويتميز نموذج المملكة المتحدة بتوزيع منظَّم للمسؤوليات بين هيئات مستقلة وجهات تنظيمية حكومية تعمل بصورة تكاملية وفق الأطر التشريعية المعتمدة في كل من الأقاليم الأربعة المكوِّنة للمملكة المتحدة (إنجلترا، ويلز، اسكتلندا، ايرلندا الشمالية).
1.2.2 إطار الجودة وهيئة ضمان الجودة في التعليم العالي
تأسّست هيئة ضمان الجودة في التعليم العالي عام 1997، وهي جهة مستقلة مسجلة غير ربحية، تُعنى بحماية معايير التعليم العالي في المملكة المتحدة وتعزيز جودته. وتعمل الهيئة بمعزل عن الحكومة حيث تُمَوَلُ من خلال اشتراكات الأعضاء من مؤسسات التعليم العالي وعبر عقود التكليف التي تبرمها مع الجهات الناظمة. وتعمل الهيئة على مستوى المملكة المتحدة من حيث المرجعية المعيارية، وتتمثّل مهامها الجوهرية فيما يلي:
- إجراء مراجعات دورية لمؤسسات التعليم العالي للتحقق من استيفائها لمعايير الجودة المعتمدة.
- وضع إطار للمؤهلات يُحددّ المستويات الأكاديمية المتوقعة لكل درجة علمية.
- نشر تقارير المراجعة للعموم بهدف تعزيز الشفافية وتمكين الطلاب وأصحاب العمل من الاطّلاع على جودة المؤسسات التعليمية.
- تمكين الأعضاء من المشاركة في صياغة معايير الجودة المؤسّسية.
2.2.2. إطار التميّز في التدريس وهيئات تنظيم التعليم العالي
أُطلق إطار التميّز في التدريس عام 2017 بقرار حكومي بموجب قانون التعليم العالي والبحث ليُكمل منظومة ضمان الجودة في انجلترا، ويُركز تحديداً على جودة التدريس وتجربة الطالب ونتائج التوظيف. تُدير الإطار الهيئة الناظمة للتعليم العالي التي أنشأها القانون ذاته بوصفها المنظّم المستقل للتعليم العالي ذو الصلاحيات القانونية الإلزامية. ويوجد إطار مشابه وهيئة ناظمة في كل من أقاليم المملكة المتحدة. ويمنح هذا الإطار الجامعاتِ تصنيفاتٍ معيارية (ذهبي، وفضي، وبرونزي) بناءً على مجموعة من المؤشرات، من بينها: معدلات الالتحاق بسوق العمل أوالدراسات العليا بعد التخرج، ومعدلات استبقاء الطلاب، ونتائج استبيان الطالب الوطني. وتُتيح هذه التصنيفات للمستفيدين مقارنة الجامعات واتخاذ قرارات مستنيرة.
3.2.2. الاعتماد المؤسسي
يُعدّ نظام الاعتماد ركيزةً أساسية في المنظومة البريطانية، إذ لا يحق لأي مؤسسة منح الدرجات العلمية إلا بعد استيفاء اشتراطات صارمة تُقيّمها هيئات عامة متخصصة مفوّضة من الحكومة. وكما الحال مع الهيئات الناظمة للتعليم العالي، تتواجد هيئات الاعتماد المؤسسي على مستوى إقليمي أيضًا. ويُتيح هذا النظام تصنيف المؤسسات إلى جامعات معتمدة بالكامل، ومؤسسات معتمدة جزئياً تمنح درجاتها بالشراكة مع جامعات معتمدة. وقد أسهم هذا التدرج في الحدّ من ظاهرة تدني جودة الشهادات وضمان حد أدنى موحد من المعايير الأكاديمية على المستوى الوطني.
4.2.2. مكاتب ضمان الجودة الداخلية في الجامعات البريطانية
تمتلك كل جامعة بريطانية وحدةً داخلية لضمان الجودة الأكاديمية تشمل مهامها: الإشراف على العمليات الداخلية وتطبيق المعايير، التحضير لعمليات المراجعة الخارجية، الإشراف على استبيانات تقييم الطلاب للمقررات وتحليل نتائجها، متابعة مؤشرات الأداء المُدرجة في تصنيفات إطار التميّز، إعداد التقارير السنوية لمجلس الجامعة عن مستوى الجودة الأكاديمية للجامعة، والتنسيق مع الممتحنين الخارجيين وإعداد ردود الفعل المؤسسية على تقاريرهم. ويُعدّ نظام الممتحن الخارجي سمةً مميزة للنموذج البريطاني؛ إذ يُعيَّن أكاديميون متخصصون من جامعات أخرى للحكم على مستوى التقييم وضمان التوافق مع المعايير الوطنية، مما يُوفّر رقابة أكاديمية مستقلة عن أنظمة ضمان الجودة الداخلية للجامعة وحدها.
من الجدير بالملاحظة أنّ النموذج البريطاني تطوّر على مدى عقود في سياق اقتصادي ومؤسسي مختلف، لذا ينبغي تكييف عناصره المنتقاة مع إمكانيات مرحلة إعادة البناء والأولويات الوطنية السورية.
نظام إدارة الجودة في ألمانيا وبريطانيا ليس نظامًا مركزيًا بالكامل تديره وتُشرف عليه وزارة التعليم العالي بشكل مباشر. بل هو في الغالب نظام غير مركزي. في كل جامعة توجد وحدات داخلية لإدارة الجودة تتولى متابعة وضمان جودة البرامج الدراسية، كما تشارك الكليات والأقسام الأكاديمية في هذه العملية. بالإضافة إلى ذلك، توجد جهات خارجية مستقلة (هيئات اعتماد أو خبراء خارجيون) تقوم بتقييم البرامج الجامعية بشكل دوري لضمان الالتزام بالمعايير الأكاديمية. أما دور وزارة التعليم أو الجهات الحكومية فهو يكون عادة على مستوى وضع الإطار العام والسياسات والمعايير، وليس الإدارة المباشرة اليومية لعملية الجودة داخل الجامعات.
- المقترحات و التوصيات النهائية لتعزيز دور مكاتب إدارة الجودة في الجامعات السورية
قد يواجه تطبيق نظام وطني لإدارة الجودة في الجامعات السورية عدداً من التحديات، من بينها محدودية الموارد المالية ونقص الخبرات المتخصصة في مجال إدارة الجودة، إضافة إلى ضعف البنية التحتية الرقمية في بعض المؤسسات التعليمية.
كما قد تواجه عملية الإصلاح المؤسسي مقاومة للتغيير داخل بعض المؤسسات، وهو ما يتطلّب جهوداً إضافية لنشر ثقافة الجودة وتعزيز الوعي بأهميتها. بناءً على التحليل السابق يمكن تقديم مجموعة من التوصيات لتعزيز إدارة الجودة في التعليم العالي في سوريا.
3.1. تطوير إطار وطني شامل لضمان الجودة في التعليم العالي
إنّ تطوير إطار وطني شامل يحدد المبادئ الأساسية لمعايير الجودة التي يجب أن تلتزم بها جميع الجامعات السورية يعد ضرورة مرحلية. ويتضمن هذا الإطار مجموعة من المعايير الواضحة لتقييم البرامج الدراسية، بما يشمل:
- وضوح أهداف البرامج التعليمية ومخرجات التعلم.
- تنظيم المناهج الدراسية وهيكل البرامج.
- جودة التدريس وأساليب التعليم.
- توفر الموارد البشرية والبنية التحتية اللازمة للتعليم.
- معدلات نجاح الطلاب والتخرج.
- ارتباط البرامج الدراسية بمتطلبات سوق العمل.
يساعد وجود إطار وطني موحد على ضمان تطبيق معايير الجودة بشكل متوازن بين مختلف الجامعات، ويعزز الشفافية في تقييم البرامج الدراسية.
3.2. الماضي والإرث العلمي والتّطوّر التّاريخي
تعتمد أنظمة إدارة الجودة الحديثة على تحليل البيانات والمؤشرات التعليمية في تقييم أداء البرامج الدراسية. ولذلك ينبغي تطوير نظام لجمع البيانات المتعلقة بالتعليم العالي. يساعد تحليل هذه المؤشّرات على توفير معلومات دقيقة لصنّاع القرار في الجامعات ويسهم في تحسين جودة البرامج التعليمية. يمكن أن يشمل هذا النظام جمع وتحليل مجموعة من المؤشّرات، مثل:
- معدّلات القبول في البرامج الدراسية.
- معدّلات النجاح والتخرج.
- مدة الدراسة الفعلية للطلاب.
- معدّلات الانقطاع عن الدراسة.
- معدّلات توظيف الخريجين.
3.3. تطوير آليات تقييم منتظمة للبرامج الدراسية
ينبغي أن تخضع البرامج الدراسية لعمليات تقييم منتظمة تهدف إلى تحليل جودة التعليم وتحديد مجالات التحسين. ويساهم التقييم المنتظم على ضمان التحسين المستمر لجودة التعليم العالي. يمكن أن تشمل هذه العمليات:
- تقييم المقرَرات الدراسية من قبل الطلاب.
- تقييم البرامج الدراسية بشكل دوري.
- إجراء دراسات تتبع للخريجين.
- إجراء مراجعات خارجية للبرامج التعليمية.
3.4. تعزيز مشاركة الطلاب والخريجين في عملية تقييم التعليم
يعدُّ الطلاب والخريجون من أهم المصادر التي يمكن الاعتماد عليها في تقييم جودة البرامج الدراسية. ولذلك ينبغي تطوير آليات تسمح بمشاركتهم بشكل فعّال في عمليات التقييم. تسهم هذه المشاركة في توفير معلومات مهمة حول جودة التعليم ومدى ملاءمته لاحتياجات الطلاب. يمكن تحقيق ذلك من خلال:
- إجراء استبيانات دورية لقياس رضا الطلاب عن المقررات الدراسية.
- استطلاع آراء الخريجين بعد التحاقهم بسوق العمل.
- إشراك ممثلين عن الطلاب في لجان تطوير البرامج الدراسية.
3.5. تعزيز العلاقة بين الجامعات وسوق العمل
من أجل تحسين جودة التعليم العالي وزيادة فرص توظيف الخريجين، ينبغي تعزيز التعاون بين الجامعات ومؤسسات سوق العمل. يساعد هذا التعاون على ضمان أنّ البرامج التعليمية تلبِّي احتياجات الاقتصاد الوطني. يمكن تحقيق هذا التعاون من خلال:
- إشراك ممثلين عن القطاعين العام والخاص في تقييم البرامج الدراسية.
- تطوير برامج التدريب العملي للطلاب.
- إجراء دراسات دورية حول احتياجات سوق العمل.
- تحديث المناهج الدراسية بما يتوافق مع المهارات المطلوبة في سوق العمل.
3.6. الاستثمار في تطوير القُدرات المؤسّسية في مجال إدارة الجودة
من أجل ضمان نجاح نظام إدارة الجودة، يعتبر الاستثمار في تطوير القدرات المؤسسية للجامعات ركيزة أساسية. إذ يسهم هذا التطوير في ضمان استدامة نظام الجودة وتحقيق التحسين المستمر. يشمل ذلك تنظيم برامج تدريبية حول إدارة الجودة في التعليم العالي، وتطوير مهارات تحليل البيانات لدى العاملين في مكاتب الجودة ودعم البحث العلمي في مجال تطوير التعليم العالي. بالإضافة إلى تعزيز تبادل الخبرات بين الجامعات.
3.7. دعم التحول الرقمي في أنظمة إدارة الجودة
يمكن أن يسهم التحوّل الرقمي بشكل كبير في تعزيز فعالية أنظمة إدارة الجودة في مؤسسات التعليم العالي، وذلك من خلال توفير أدوات وتقنيات حديثة تّتيح جمع البيانات وتحليلها بصورة أكثر دقّة وسُرعة. ويساعد الاعتماد على الأنظمة الرقمية في تحسين عمليات المتابعة والتقييم المستمر للأداء الأكاديمي والإداري، كما يسهم في توفير معلومات موثوقة تدعم عملية اتخاذ القرار والتخطيط الاستراتيجي. ومن خلال تطويرمنصّات إلكترونية تُتيح تقييم المقررات الدراسية ومتابعة رصد مؤشّرات الأداء التعليمية، تستطيع الجامعات الحصول على بيانات دقيقة حول جودة العملية التعليمية ومستوى رضا الطلبة وأعضاء الهيئة التدريسية. كما تتيح قواعد البيانات وأنظمة التحليل الحديثة إمكانية رصد نقاط القوة ومجالات التحسين بشكل مستمر، الأمر الذي يعزِّز ثقافة الجودة القائمة على الأدلّة والبيانات. ويساعد التحوّل الرقمي كذلك في متابعة تنفيذ خطط تحسين الجودة وتوثيق نتائجها بشكل منهجي، مما يسهم في رفع كفاءة الأداء المؤسّسي وتحقيق متطلبات الاعتماد الأكاديمي وضمان التحسين المستدام في مؤسّسات التعليم العالي.
3.8. تعزيز التعاون الدولي في مجال ضمان الجودة
يمكن للجامعات السورية الاستفادة بشكل كبير من الخبرات والتجارب الدولية في مجال إدارة الجودة وضمان الاعتماد الأكاديمي، لما لذلك من دور مهم في تطوير منظومة التعليم العالي ورفع كفاءتها. إنّ التعاون مع الجامعات والمؤسسات الأكاديمية العالمية يتيح الاطلاع على أفضل الممارسات الحديثة في إدارة الجودة وتقييم الأداء الأكاديمي والإداري، كما يسهم في نقل المعرفة والخبرات المتعلقة بتطوير البرامج التعليمية وتحسين مخرجات التعلم. ومن خلال المشاركة في مشاريع تطوير التعليم العالي وبرامج التعاون الأكاديمي الدولية، تستطيع الجامعات السورية تعزيز قدراتها المؤسسية وتحديث أنظمة الجودة لديها بما يتوافق مع المعايير الدولية المعتمدة ويعزّز من مكانة الجامعات السورية وقدرتها على المنافسة والانفتاح على المجتمع الأكاديمي الدولي ورفع مرتبة تصنيفات الجامعات السورية.
- آليات إدارة المخاطر
إنّ تطبيق هذا النظام قد يواجه مجموعة من التحديات والمخاطر المؤسسية والإدارية والفنية التي قد تؤثّر في فعالية عملية الإصلاح وتحقيق أهدافها على المدى الطويل. ومن هنا تبرز أهمية تبنّي منهجية متكاملة لإدارة المخاطر تقوم على تحديد التحدّيات المحتملة وتحليل آثارها المؤسسية والأكاديمية، إلى جانب تطوير آليات واستراتيجيات مناسبة للتعامل معها والحد من تأثيرها. ولا تقتصر إدارة المخاطر في هذا السياق على معالجة المشكلات بعد وقوعها، بل تشمل أيضاً بناء قدرة مؤسسية استباقية تسهم في تعزيز كفاءة التخطيط والتنفيذ والمتابعة، إذ تساعد على تقليل العوائق التي قد تواجه تطبيق نظام إدارة الجودة، وتعزّز قدرة الجامعات على الاستجابة للتحديات التنظيمية والبشرية والتقنية المرتبطة بعملية التحول المؤسسي. يمكن ان تتمثل المخاطر المحتملة في:
أولاً: مقاومة التغيير داخل المؤسسات الجامعية
تُعدُّ مقاومة التغيير من أبرز التحدّيات التي قد تواجه تطبيق أنظمة إدارة الجودة في مؤسسات التعليم العالي. فقد ينظر بعض أعضاء الهيئة التدريسية أو الإدارات الجامعية إلى إجراءات التقييم وضمان الجودة باعتبارها أعباءً إدارية إضافية تزيد من حجم العمل، ولكنّها أدوات تسهم في تطوير العملية التعليمية وتحسين الأداء المؤسّسي. ويمكن أن تؤثّر هذه المواقف سلباً على فعالية تطبيق برامج الجودة واستدامتها وللتغلب على هذه التحديات، من الضروري تعزيز الوعي بأهمية إدارة الجودة ودورها في تحسين مخرجات التعليم العالي، إضافة إلى إشراك أعضاء الهيئة التدريسية في تصميم وتنفيذ آليات التقييم، بما يعزّز شعورهم بالمسؤولية تجاه هذه العملية. كما أن توفير برامج تدريبية متخصصة حول مفاهيم الجودة وآليات تطبيقها يسهم في رفع مستوى القبول والدعم الداخلي لهذه المبادرات. ويجب التأكيد بشكل مستمر على أنّ الهدف من عمليات التقييم لا يقتصر على الرقابة والمحاسبة، وإنّما يهدف بالدرجة الأولى إلى تحقيق التحسين المستمر وتطوير الأداء الأكاديمي والإداري. ومن شأن هذا النهج أن يعزّز ثقافة الجودة داخل الجامعات ويحد من مقاومة التغيير.
ثانياً: نقص الكوادر البشرية المتخصصة
يمثل نقص الكوادر البشرية داخل المؤسسات الجامعية وتحليل البيانات تحدّياً رئيسياً أمام تطبيق أنظمة الجودة في العديد من الجامعات السورية. إذ تتطلّب عمليات التخطيط والمتابعة والتقييم وجود خبرات متخصصة قادرة على إدارة نظم الجودة وتطويرها بصورة فعّالة. وفي ظل محدودية هذه الكفاءات، قد تواجه الجامعات صعوبات في تنفيذ متطلبات الاعتماد وضمان الجودة بالشكل المطلوب. ويمكن معالجة هذه المشكلة من خلال الاستثمار في تنمية الموارد البشرية عبر تنظيم برامج تدريبية متخصصة للعاملين في مكاتب الجودة، وتطوير برامج أكاديمية ومهنية تُعنى بإدارة التعليم العالي وضمان الجودة. ويُعد الاستثمار في رأس المال البشري أحد العوامل الأساسية لضمان استدامة جهود الجودة وتحقيق التحسين المستمر في مؤسسات التعليم العالي.
ثالثاً: خطر التركيز على الإجراءات الشكلية
من المخاطر التي قد تواجه تطبيق أنظمة إدارة الجودة في التعليم العالي تحوّل هذه الأنظمة إلى مجموعة من الإجراءات البيروقراطية التي تركز على إعداد التقارير والوثائق واستكمال المتطلبات الشكلية، دون أن تنعكس بشكل حقيقي على جودة التعليم ومخرجاته. وفي مثل هذه الحالات، قد يصبح الاهتمام موجّهاً نحو تحقيق الامتثال الإداري بدلًا من استخدام نتائج التقييم في تطوير البرامج الأكاديمية وتحسين الأداء المؤسّسي. وللحدِّ من هذا الخطر، ينبغي التأكيد على ربط مؤشّرات الجودة بعمليات التخطيط واتخاذ القرار الأكاديمي والإداري. كما أنّ تعزيز ثقافة الجودة داخل الجامعات وتشجيع جميع الأطراف المعنية على المشاركة في جهود التحسين يسهم في جعل الجودة جزءًا من الممارسات اليومية للمؤسّسة التعليمية. ومن شأن هذا النهج أن يضمن أن تكون أنظمة إدارة الجودة أداة فاعلة لتحسين العملية التعليمية وتحقيق التميُّز الأكاديمي، بدلًا من أن تقتصر على كونها إجراءات إدارية شكلية.
- الخاتمة
يُعدُّ نظام المقيمين الخارجيين أحد المكونات الأساسية في أنظمة ضمان الجودة الحديثة في التعليم العالي، حيث يُسهم في تعزيز الموضوعية والشفافية في تقييم البرامج الأكاديمية من خلال إشراك خبرات علمية مستقلة خارج المؤسّسة التعليمية. وفي إطار تطوير منظومة ضمان الجودة في التعليم العالي، يمكن تعزيز الاستفادة من هذا النهج من خلال إشراك مقيمين خارجيين من ذوي الخبرة الأكاديمية المتخصصة في مختلف الحقول العلمية، بمن فيهم أكاديميون سوريون عاملون في جامعات دولية، نظراً لما يمتلكونه من معرفة معمّقة بالمعايير الأكاديمية العالمية وخبرة بأنظمة تعليميّة متعددة، يمكن أن تشمل مهام المقيمين الخارجيين ما يلي: تقييم البرامج الأكاديمية من حيث الاتساق العلمي ومخرجات التعلم، مراجعة توصيف البرامج والمقررات الدراسية، تحليل وتفسير نتائج استبيانات الطلبة والخريجين وأعضاء هيئة التدريس، تقييم مدى مواءمة البرامج الدراسية مع احتياجات سوق العمل، المساهمة في عمليات المقارنة المرجعية مع برامج أكاديمية دولية مماثلة. كما يمكن أن يساهم المجلس العلمي السوري في الاستشارات وإقامة ورشات عمل في مراكز إدارة الجودة في الجامعات السورية لمشاركة الخبرات و المساعدة في عمليات التقييم والاعتماد.
المؤلفون:
د. تيفاني فطيمي
عضو في فريق إدارة الجودة في مكتب ضمان وإدارة الجودة (heiQUALITY) في تطوير مجالات التّعليم والبحث العلمي في جامعة هايدلبيرغ الألمانية. محاضرة وباحثة ما بعد الدكتوراه في قسم آثار الشرق القديم في جامعة هايدلبيرغ، دكتوراه وماجستير في آثار الشرق القديم من الجامعة ذاتها. بكالوريوس في علم الآثار من جامعة حلب. ساهَمت بالعمل الأثري في متاحف ومواقع أثريّة دوليّة.
د. سها دعدوع
محاضرة في كلية الصيدلة بجامعة Reading في بريطانيا. حاصلة على درجتي الماجستير والدكتوراه في تكنولوجيا الصيدلة وزمالة التعليم العالي البريطاني.
عمر الشيخ محمد
باحث في دراسات الشرق الأوسط ومدير قسم الاندماج في مدينة لايمن بألمانيا. باحث مُشارك سابق في تقييم وتطوير الاستبيانات المعنيّة بنظام التعليم العالي والمدرسي في هايدلبيرغ وجامعة مانهايم. حاصل على درجة الماجستير في دراسات الشرق الأوسط من جامعة هايدلبيرغ، وبكالوريوس في الآثار من جامعة حلب.